فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 36

وأول الناس في ذلك الصحابة، فكان كثير منهم لا يجيب عن مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من البصيرة والطهارة والتوفيق والسداد، كيف لا، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسأل أحيانًا فلا يجيب حتى يسأل جبريل؟.

وكان الخلفاء الراشدون - مع ما آتاهم الله من سعة العلم - يجمعون علماء الصحابة وفضلاءهم عندما تعرض لهم مشكلات المسائل، يستشيرونهم، ويستنيرون برأيهم، ومن هذا اللون من الفتاوى الجماعية نشأ - الإجماع في العصر الأول، قال ابن أبي ليلى (11) : أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث، أو يسأل عن شيء، إلا ود أخاه كفاه!.

وفي الحديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ" (12) .

وقال عبد الله بن مسعود (13) : والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون (14) .

وإذا انتقلنا إلى التابعين نجد سيدهم وأفقههم سعيد بن المسيب (15) كان لا يكاد يفتي، ولا يقول شيئًا، إلا قال: اللهم سلمني، وسلم مني (16) !.

وسئل الشعبي (17) عن مسألة، فقال: لا أدري: فقيل له: ألا تستحي مِن قول"لا أدري"وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) [البقرة:32] (18) .

وبعد التابعين نجد أئمة المذاهب المتبوعة لا يستنكفون من قول"لا أدري"فيما لا يحسنونه.

وقد حُفِظَ عن الإمام أبي حنيفة (19) - مع براعته في الجواب، وقدرته الفائقة على الاستنباط والتوليد - مسائل معروفة قال فيها: لا أدري (20) .

روى الخطيب البغدادي (21) عن أبي يوسف (22) قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لولا الفَرَق (الخوف) من الله أن يضيع العلم، ما أفتيت أحدًا؛ يكون له المهنأ، وعليَّ الوِزْر! (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت