بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين
وبعد
مما لا يخفى أن الإسلام أولى عناية منقطعة النظير بالأسرة من حيث تكوينها وحمايتها، ورعايتها، وتحقيق التآلف والمحبة فيما بينها، فبيّن أحكامها، وفصّل فيها أكثر مما فصل في أحكام بعض الشعائر مثل الصلاة والزكاة، حتى وصل القرآن بنفسه إلى بيان حكم امرأة تخاف النشوز من بعلها فقال تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [1] .
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية الأسرة في الإسلام باعتبارها اللبنة الأولى للمجتمع إن صلحت صلح المجتمع، وإن قويت قوي المجتمع، وإن تطورت تطور المجتمع، وإن سعدت سعد المجتمع، وعلى العكس إن فسدت فسد المجتمع، وإن ضعفت ضعف المجتمع، وإن تخلفت وتمزقت، تخلف المجتمع وتمزق، وهكذا.
ولذلك أحاط الإسلام الحياة الزوجية بسياج عظيم يشمل كل الجوانب النفسية والاجتماعية والإنسانية والصحية، وهيأ لتنشئتها نشأة صحية ومتوازنة كل عناصر النجاح حيث أرشد إلى كيفية الاختبار، ومعايير الاختبار، وكيفية الحفاظ على العلاقة الزوجية، وبيان سبلها وطرقها النفسية والاجتماعية والعملية.
وجعل الإسلام من أهم مقاصد الشريعة في الزواج الألفة والمودة والمحبة والرحمة والستر، لخصها بكلمة عظيمة وهو (لستكنوا إليها) بحيث يصبح كل واحد من الزوجين سكنًا حقيقيًا للآخر، وسكنى نفسية وسترًا ولباسًا، وذلك لبقاء نسل الإنسان محفوظًا، ومحفوفًا بمنتهى وسائل الحماية، والعواطف، ولتحقيق هذه المقاصد العظيمة شرع الإسلام كل ما يحققها ويكون وسيلة لأدائها، ولذلك شرع النظر إلى المخطوبة ثلاث مرات، بل أمر به، ودعا إلى اختيار الولود الودود، وإلى التخيير للنطفة، واختيار سليمة البدن والعقل قوية البنيان، صحيحة الجسم التي تنجب أولادًا أصحاء وهكذا الأمر تمامًا بالنسبة للمرأة التي عليها أن تختار شريك حياتها بالمواصفات المطلوبة، وملاحظة أن العرق دساس، وغير ذلك مما يأتي تفصيل بعضها في هذا البحث.
ومن هذا الباب يأتي موضوع الفحص الطبي قبل الزواج وقبل كتب الكتاب، حيث نحاول الإجابة عن مجموعة من الأسئلة حوله، وهي: هل إن الفحص الطبي قبل الزواج يتفق مع
(1) سورة النساء/الآية 128