الصفحة 23 من 36

لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع ... أما المقطوع به فليس تركه من التوكل، بل تركه حرام عند خوف الموت) [1] .

وقد استدل هؤلاء الفقهاء بقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [2] وقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا) [3] ، وبالأحاديث الآمرة بالتداوي مثل حديث أسامة بن شريك قال: (أتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلاّ وضع له دواء غير داء واحد الهرم) [4] ، ولحديث أبي الدرداء: (قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تتداووا بحرام) [5] ، فإذا كان العلاج واجبًا فيكون تركه حرامًا كما في حالة كون المرض معديًا، أو يكون الشخص مهددًا بالموت أو بضرر كبير إذا لم يتم العلاج، ويدل كذلك حديث جابر قال: (خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، فقال:: قتلوه قاتهلم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيّ السؤال ... ) [6] .

وأن التداوي مستحب إذا كان التداوي بما يمكن الاستشفاء به حسب الظن وليس اليقين [7] ، وذلك اقتداءً بتداوي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله، وفعله [8] ، وفيما عدا ذلك فهو مباح مشروع وهذا رأي جمهور الفقهاء [9] ، قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: (اعلم أن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون، ولكن قد ترك التداوي أيضًا جماعة من الأكابر) ثم ذكر بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تداوى، ولو كان نقصانًا لتركه، إذ لا يكون حال غيره في التوكل أكمل من حاله) [10] .

وقد ردّ الغزالي على من قال بأن التداوي يخالف التوكل بأن ذلك نوع من المغالطة، لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تداوى وهو سيد المتوكلين، وأمر به في أكثر من حديث، ثم إن التداوي مثل استعمال الماء للعطشان، والأكل لدفع الجوع فلا فرق بين هذه الدرجات، فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه وتعالى، وأجرى بها سنته [11] ، ويدل على أن ذلك ليس من شرط التوكل ما روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ وعن الصحابة في قصة الطاعون ـ

(1) المرجع السابق

(4) رواه أبو داود في سننه مع عون المعبود (10/ 334) ، والترمذي وقال: حسن صحيح، تحفة الأحوذي (6/ 190) ورواه النسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه

(5) رواه أبو داود في سننه ـ مع عون المعبود ـ (10/ 351)

(6) رواه أبو داود، والدارقطني (69) والبيهقي (1/ 228) ورواه عن ابن عباس أبو داود أيضًا، والبيهقي، وابن حبان، والحاكم وأبو نعيم في الحلية (3/ 317) قال الحافظ في بلوغ المرام مع سبل السلام (1/ 161) : (رواه أبو داود بسند فيه ضعف) ولكن الحديث له طرق كثيرة ولذلك صححه ابن سكن، ورواه ابن خزيمة في صحيحه (1/ 138) وابن حبان في صحيحه (2/ 304) والحاكم في المستدرك (1/ 165)

(7) يراجع: الفتاوى الهندية (5/ 255)

(8) يراجع: سنن أبي داود ـ مع عون المعبود ـ (10/ 339، 341، 349) ، وفتح الباري (10/ 147،150) حيث روى البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم احتجم

(9) الفواكه الدواني (2/ 442) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/ 199) ود. علي المحمدي: بحثه السابق

(10) إحياء علوم الدين (4/ 283)

(11) المرجع السابق (4/ 283)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت