فهرس الكتاب
واستهوى الشيطان من هؤلاء المغرورين طائفة اخرى فزين لها ان تسن قوانين من عند انفسها لتحاك اليها وتفضل بها في خصوماتها وسول لها ان تضع قواعد بمحض تفكيرهم وهواها تنظم بها اقتصادها وسائر معاملاتها محادة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقاصا لنشريعهما وزعما منها ان تشريع اتلله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم ولا يكفل لهم مصالحهم ولا يعالج ما جد من مشاكلهم حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحى واتسع نطاق المعاملات وكثرت المشكلات فلابد لتنظيم المعاملات والفصل في الخصومات من قواعد وقوانين جديدة يضعها المفكرون من أهل العصر الواقفون على أحوال اهله المطلعون على المشاكل العارفون باسباها وطرق حلها لترتكز على واقع الحياة وتتناسب مع أحوال الناس وظروفهم الحاضرة ومع مستوى ثقافتهم وحضارتهم الراهنة .
فهؤلاء لم يقدروا عقولهم قدرها ولم ينزلوها منزلتها ولم يقدروا اتلله حق قدره ولم يعرفوا حقيقة شرعه ولا طريق تطبيق منهجه وأحكامه ولم يعلموا ان الله قد احاط بكل شيء علما فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الاحوال وكثرة المشاكل وانه انزل شريعة عامة شاملة وقواعد كلية محكمة وقدرها بكامل علمه وبالغ حكمته فأحسن تقديرها فقد جعلها صالحة لكل زمان ومكان فمهما اختلفت الطبائع والحضارات وتباينت الظروف والأحوال فهى صالحة لتنظيم معاملات العباد وتبادل المنافع بينهم والفصل في خصوماتهم وحل مشاكلهم وصلاح جميع شؤونهم في عباداتهم ومعاملاتهم .