فهرس الكتاب
يا صديقي.. إن الديمقراطية الغربية ـ وأنا أكره الاستيراد ـ امتدت في الفراغ الذي صنعتموه أنتم ووجدت لها عشاقا، لأن تصوركم للحقائق الدينية والمدنية بالغ التشويه، وملاحظتكم لطبائع البشر وتاريخ الأمم وهى تنشد الرحمة والعدالة تكاد تكون معدومة.. إنكم تحسنون الإماتة ولا تحسنون الإحياء، تقولون باسم الله هذا حرام، ولا تجيئون بالحلال الذي يشبع النهمة، ويسد طريق المعصية.. ماذا لو فكرتم في طريقة معقولة يتكون بها أهل الحل والعقد؟ وفي مواضع كثيرة تكون الشورى فيها ملزمة، وماذا لو استفدنا من تجارب الآخرين؟ وما يقال في سياسة الحكم يقال مثله في سياسة المال.. إنكم تكرهون الاشتراكية عن نظر سليم، وقد كرهناها نحن عن تجربة ومعاناة. وأذكر أن صديقي الأستاذ مصطفى السباعي ألف كتابا عن اشتراكية الإسلام ضمنه حقائق كثيرة لصرف الشباب عن الشيوعية، وقد ندم على العنوان الذي اختاره لكتابه.. وأنا أعلم سر ندمه لأنني خضت مثله هذه المحنة.. لقد ظهر لنا أن هؤلاء الاشتراكيين العرب، يريدون كلمة الاشتراكية وحدها. ولا يهتمون بعد ذلك للعقائد والعبادات التي هى لباب الإسلام. وعندما كنا نبرز لهم من تعاليم الإسلام ما يغنى عن المبادئ والتطبيقات التي سحرتهم من ثقافة الغرب والشرق، كانوا يأخذون هذا البدل المعروض ويجردونه من صبغته الإسلامية، ثم يمضون في طريقهم دون إسلام أو آخره أو خشية أو خلق... ومن هنا وضع الله الشؤم في سياستهم الاقتصادية فما دسوا أصابعهم في خضراء إلا جفت، ولا دخلوا بلدا إلا نعق بين أيديهم البوم، وعم القشف الأسر والأفراد.. إنهم ـ كما قيل ـ أفقروا الأغنياء، لم يغنوا الفقراء،: تلك هى حدود اشتراكيتهم، ومبعث كراهية الجماهير لها.. ص _111