وما أحسب الدنيا عرفت من قبل ولا من بعد أعدل ولا أنبل ولا أشرف من الرجال الأربعة الذين حكموا الأمة الإسلامية في هذه الدولة القصيرة الأمد- دولة الخلافة الراشدة. وهناك ملاحظات يقف أمامها مؤرخ الدعوة طويلا ليستفيد منها عبرا بالغة: لم يقدر رجال الدولة شرور الأحزاب المدحورة والجبهات المنتهية بل مضوا في طريقهم يدعون، ويحكمون، دون محاذرة. نعم كانت هناك غفلة عما يمكن أن تصنعه فلول اليهودية والمجوسية بعد انهيار دولتهما. ومقتل الخلفاء الثلاثة ـ عمر، وعثمان، وعلى ـ شاهد صدق على أن مؤامرات الأعداء تمت في جو غريب من الاسترسال والأمان. إن المعارضين للإسلام كثيرا ما يتركون الميدان المكشوف الواضح، ويلجأون إلى الخفاء ليدبروا من وراء ستار أفعالا هائلة، وعلى الأمة الإسلامية أن تغلغل البصر في مواقف أعدائها، فقد لدغت من هذا الجحر مرة بعد أخرى. 2- إن الحريات الفضفاضة التي مرحت فيها الجماهير ـ على عهد الخلافة ـ كانت فوق المستوى العام للناس، أو بتعبير آخر لم تلق التقدير المناسب، ففي ظل الفراعنة والقياصرة كان بحسب الفرد أن يظفر بحقه المادي والأدبي ـ إن ظفر به ـ ويحمد الظروف على ذلك. لكن العامة مع الخلفاء الراشدين كانوا ينقدون ويراجعون، ولا حرج في ذلك مع التزام الحدود المعقولة أما أن تجيء وفود مع الرعاع لتقتل الخليفة الثالث، وهو لم يفعل شيئا يهدر به دمه، أو أن يقصد فدم إلى الخليفة الرابع ليقتله، وهو خارج ليصلي الفجر فهذا وذاك شيء يغلب كل منطق . ص _023