الصفحة 48 من 206

والهجوم الأوروبي الجديد يسانده ذكاء وعلم وسبق في كل شيء.. وتسانده قبل ذلك كله ما شرحناه آنفا من تأخر شامل لف المسلمين كلهم في قصوره وعجزه..! لم يكن المسلمون أهلا لعون الله بعد ما جهلوا دينه، وفرطوا في لبابه، ولم يكن لديهم من أسباب الدنيا ما يشد أزرهم، ويكيد عدوهم... والجدير بالذكر أن هذا العدو الذكي قرر أن يضرب بعض المسلمين ببعض، أن يحيك من المؤامرات ما يبلغه هدفه بأقل الخسائر... وقد استطاع خلال القرن الثالث عشر أن يخطف من الدولة العثمانية مصر وتونس، وأن توقع بها هزائم عسكرية جسيمة في البلقان.. وأن يحتضن تيقظ اليهود لإقامة إسرائيل على أنقاض فلسطين.. فلما ولى السلطان عبد الحميد السلطة وحاول وقف هذا البلاء تحرك المكر الاستعماري وقرر تشجيع انقلاب عسكري ضد الخليفة الذي قرر الصمود. وغزل الخليفة، وتولى الحكم ضباط الاتحاد والترقي، وهم شباب مشئوم جاهل دعى، ولا يعنينا هنا أن نعرف من أعانهم، ولا كيف وصلوا، وهل هم خونة مرتدون أم أغرار متطاولون ؟؟ إن الانقلابات العسكرية في العالم الإسلامي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر تحتاج إلى تآليف دقيقة صريحة، لأن ما نتج عنها حقق لأعداء الإسلام فوق ما أملوا ويؤملون..! وهذا الانقلاب الأول جر على الترك أنفسهم، وعلى الخلافة كلها كوارث وصلت بها إلى حافة الهاوية.. أحس العرب أن الحكام الجدد يبيتون الشر لهم وللإسلام فتململوا في بلادهم. ونظر أمير مكة الشريف حسين حوله يريد خلاصا لجنسه، وملكا لأسرته فوجد الإنجليز يبتسمون له، ويشجعونه على التمرد، ويعدونه، فوثق فيهم ببلاهة غريبة وأعلن ثورة عربية على الدولة، وهى في حرب حياة أو موت مع الحلفاء بقيادة الإنجليز...!! ص _055

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت