فهرس الكتاب
وقبل أن تستسلم الخلافة العثمانية للموت أدركتها صحوة يائسة، فقد ولى الأمر السلطان عبد الحميد، وهو من أذكى وأقدر الخلفاء الأتراك، حاول الرجل أن يشد الأعصاب المسترخية، ويبعث في الأمة روحًا جديدا، فاستعان بالسيد جمال الدين الأفغاني على إحياء الجامعة الإسلامية، ورد المسلمين إلى مصادر قوتهم الأولى. ووقف بصلابة أمام أطماع الصليبية العالمية التي استعدت لاقتسام تركة الرجل المريض.. ورفض بشمم واعتزاز تحرك الصهيونية العالمية نحو فلسطين، وعف عن المال الكثير الذي عرض عليه ليدع هذا القطر العربي. ومع يقظة هذا الخليفة ونشاطه وجلده إلا أن سنن الله في الأمم المفرطة لا بد أن تتم، إن العالم الإسلامي بقيادته التركية لم يكن يدرى من دين الله ولا من دنيا الناس ما يرشحه لمكانة محترمة، وأخطاء القرون الطوال لا تمحي بسهولة. ويجب أن نرمق ما حدث وراء دار الإسلام لنعرف ما وقع هنالك من تغير هائل..! إن أوروبا بعد عصر الإحياء أخذت تتجدد من بلي، وتستيقظ من إغماء. وقد انحدرت إلى أرضها كل الثقافات الإنسانية التي احتضنها الإسلام وهذبها، ونماها، وأضاف إليها من عنده ما جعلها منارًا للعقل الغربى المتحرك ينشد الحياة.. واليقظة الأوروبية احتقرت المسيحية وكهانتها ورجالها، ولكنها لم تحترم الإسلام ولم تشعر بأية رغبة في اعتناقه.. ولهذا الموقف أسباب شتى، بعضها يعود إلى المسلمين وقيادتهم الثقافية والسياسية. وليس الموقف هنا للشرح والمعاتبة، المهم أن الصحو الأوروبي أقصى المسيحية في الداخل، وأبعدها عن العلم والحكم والاقتصاد وسائر الساحات الجادة.. ولكنه استغلها في تمهيد الأقطار التي اكتشفها في أمريكا وأستراليا وإفريقية، كما استغلها في الهجوم على الأرض الإسلامية، واستئناف الصراع الطويل بين المسيحية والإسلام..!! ص _054