فهرس الكتاب
(جـ) هناك فارق مؤكد بين درجة التخصص ودرجة التثقيف العام، فالتخصص يلم بمعارف شتى في فنه، ويعيبه أن يجهل ناحية ما في ميدانه.. أما أصحاب الثقافة العامة فيكفيهم ما يحتاجون إليه في بيئاتهم وأحوالهم، ولا معنى لحشو أذهانهم بما لا أثر له في معايشهم.. وقد رأيت أناسا من العوام تبلبلت أفكارهم إثر أحاديث نبوية درست لهم، وهى أحاديث صحيحة السند، ولكن ليس من الحكمة أن يعرفها العوام، فهى فوق طاقتهم الذهنية وقد جاء في الأثر:"إنك ما حدثت قومًا بحديث لم تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". ومع ذلك فإن قرويين وبدوًا أو هُملًا من الخلق يذكر لهم أن نبيا ضرب ملك الموت ففقأ عينه، وأن آدم حج موسى في القدر فغلبه، وأن موسى راجع نبينا في الصلوات الخمسين حتى جعلها خمسة ، وأن الجبار ليلة الإسراء هو الذي دنا فتدلى.. الخ. لماذا تشغل أذهان الجماهير بهذه الأمور؟ ولماذا لا يختار لهم من السنن ما يصحح وجهتهم في الحياة؟ لقد توارث العوام أن سماع هذا الكلام عبادة وأورثهم ذلك شيئا من الخدر والاسترخاء غير قليل.. (د ) ألف المسلمون أن يحفظ القرآن للأطفال، وألفوا أن يوجه للتعليم الديني الضعاف والفقراء وذوو العاهات.. وفي بعض الأقطار الإسلامية يكاد العلم الديني يكون نصيب المطرودين من ميادين التعليم التي يشترط فيها التفوق والتبريز أو حسن المظهر وقوة العصبية.. وهذا المسلك يزرى بمعنى التدين، ويضعف أهل الدين عن اقتياد الحياة بقوة وقد يعجزهم عن مقاومة الجبارين والخطائين.. وعلى ضوء التجارب الكثيرة ينبغي وضع سياسة أخرى للتعليم الديني.. ولنذكر أن الفجوة عمقت بين العلم والحكم في تاريخنا، وأن عددًا من الأئمة والأشياخ أدى واجبه شامخا راسخًا. ص _067