فهرس الكتاب
ولقد كان جديرًا بالمسلمين أن يفكروا في الكون، وينتهزوا فرصة حياتهم على الأرض ليعرفوا عظمة رب العالمين، بدراسة خواص المادة والقوانين السارية بين شتى العناصر.. إن الله لا يعرف بدراسة ذاته فهذا مستحيل، وإنما يعرف بدراسة ملكوته الضخم، واستجلاء الآيات الدالة عليه هنا وهناك، لا بأسلوب شعري هائم، ولكن بأسلوب علمي صارم.. وذلك هو منهج القرآن الكريم. وقد ولدت الملاحظة والتجربة في البيئة الإسلامية، وكان يمكن أن تترعرع وتؤتى ثمارها إلى آخر مدى لولا الذى أصاب العقل الإسلامي بالتقعر فيما وراء المادة، ولولا انطلاق بعض المخربين يصرفون الناس عن الدنيا، ويضعون على حواسهم حجبا، فلا يدركون من قوتها ولا من جمالها شيئًا.. ويستحيل مع الجهل بالحياة وقوانينها أن يقوى الإيمان ويستوي على الطريق. والثقافات الإسلامية المبتدعة والمنحرفة سر هذا العوج، وفي مقدمتها التصوف الدخيل، إن الله جل شأنه لما خلق البشر خلق لهم كل ما في الأرض ليستمتعوا به ما داموا على ظهرها أحياء، ومعنى ذلك أن يعرفوا ما هيأ لهم معرفة شاملة. فمن الغباوة أن يأكل المسلمون ويزرع غيرهم، أو يستهلكون وينتج غيرهم.. إن العلم بالحياة الدنيا وارتفاقها والاستمكان منها معان إنسانية عامة فطر الناس عليها، ولا يعد التنبيه إليها مثار دهشة، بل الدهشة أن يتقلب الناس في جنبات الأرض دون قدرة على إثارتها.. وكما ينتفع الناس بالحياة الدنيا لذواتهم ينتفعون بها في دعم أفكارهم وتأييد مبادئهم وقيمهم، فالكف العزلاء تخذل الحق، والسلاح التافه يجر الهزيمة..!! وقد استطاع ناس كثيرون أن يعرفوا من دراسات الأرض والسماء ما جعل أيديهم باطشة وأسلحتهم فاتكة، فأين منزلة المسلمين من هؤلاء.. ص _069