فهرس الكتاب
عندما كنت أقرأ الهجوم الفرنسي على مصر في القرن الثالث عشر للهجرة كنت أحسن طنينًا في دماغي لغزارة ما سفك من دمائنا دون جدوى، كان الفرسان الشجعان يذوبون أمام المدافع الحديثة والذخائر الخبيثة، وكانت خبرة الفرنسيين بالحياة وعلومها وكشوفها تساعدهم على التوغل بقدرة وترغم الأحرار على الفرار أو الموت الرخيص.. لماذا جهلنا الحياة وبحوثها على هذا النحو. إن الأرض الإسلامية كلها استبيحت نتيجة هذا الجهل الغليظ، مع أن العلم بها لا يقل عن العلم بأركان الصلاة، فإن بقاء الإيمان في الأرض، وصحة الجهاد دونه، لا يتمان إلا بهذا العلم الدنيوي.. العلم الواسع بالدنيا، والقدرة التامة عليها، كانت أمورا بديهية عند أسلافنا. وقد نصروا الحق بهذا الإدراك السديد، ثم خلف من بعدهم من نفض يديه من شئون الدنيا فخذل نفسه ودينه على سواء.. وقد قال المربون الأذكياء: املك الدنيا بغير حدود، ولكن اجعلها في يديك لا في قلبك. اجعلها في يدك لتنزل عنها فداء دينك وشرفك عند أول نداء. ولا تجعلها في قلبك فتستبعدك، وتكون كاليهود الذين ذمهم الوحي لشرهم فقال: ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) لقد كان من أسباب انهيار الحضارة الإسلامية سوء الموقف من الدنيا وعلومها وبناء التربية الدينية على أفكار غيبية شاعت بين فريق من المتصوفة والزُهَّاد والفقهاء الصغار. ولنفرق بين النوعين من التذكر والتفكر.. فإن الشائع بين جماهير العابدين الذكر العددي وهو ذكر تافه لا يفتح أغلاق القلب ولا يوسع آفاق النظر. ص _070