الصفحة 78 من 206

وقد بدأ هذا الانحدار رويدا رويدا، ثم شرع على اختلاف الليل والنهار يتكشف حتى سقطت الخلافة أول هذا القرن. واقترن باختيار الخلفاء على ذلك النحو ما يلي من مخلفات دينية: (أ) أُهملت الشورى، ولم يعتمد عليها الحاكمون في إحكام الشئون الدينية مع أن الإسلام قرر أن المجتمع يقوم على التناصح ، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على الخير، ورفض الإعجاب بالرأى، والافتيات على الجماعة.! وهذه المعاني قد تقع لها صور ساذجة فيما يدور بين الناس من حديث، أو فيما يسعون له من مصالح، لكنها تحتاج إلى مؤسسات جادة ضخمة لضبط شئون المسلمين بين المحيطات العظمى التى تحد عالمهم الكبير. (ب) العجز الإداري: وهو من وراء الفتوق، والخروج على الدولة في عهود شتى، ونشوء دويلات كثيرة، بعضها لم يخلص للإسلام ولاؤه، بل بعضها كان حربًا عليه. ومن الفواجع أن دولة القرامطة فتكت بقوافل الحجيج سنين عددا، وأنها انتزعت الحجر الأسود من مكانه، وعجزت دولة العباسيين عجزا مفضوحًا عن استرداده، فما عاد الحجر إلا بتفاهم بين القرامطة والفاطميين! وقد فرض النظام اللا مركزي نفسه في وجه رغبة من الخليفة العاجز أن يحكم القارات، دون مواهب وقدرات. وقد يختفي العجز الإداري حينًا مع وجود حاكم شديد البأس، ثم يبرز الداء ويعاني المسلمون آلامه. (ب) فقدان الأجهزة المسئولة عن الدعوة في الداخل والخارج: المسلمون حملة رسالة، ودولتهم تنهض على فكرة معينة، وبديه أن تتكون في مجتمعهم الأداة التي ترقب سير الدعوة في الخارج وتشرف على كيانها في الداخل، وأن يكون هناك رصد يقظ للأرباح والخسائر، والانتصارات والهزائم. ص _085

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت