فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 203

(( وكان ممَّا ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية، ما قام به الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تلك المذاهب، والانصراف عن الاجتهاد محافظة الأرزاق التي رتبت لهم! سأل أبو زرعة شيخه البلقيني قائلًا: ما تقصير تقي الدين السبكي عن الاجتهاد، وقد استكمل آلته؟ فسكت البلقيني، فقال أبو زرعة: فما عندي أن الامتناع إلا للوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن مَن خرج عن ذلك لم ينله شيء من ذلك، وحرم ولاية القضاء، وامتنع الناس عن افتائه، ونسب إلى البدعة فابتسم البلقيني ووافقه على ذلك ) ).

أقول: إن في كلام الأستاذ مسامحات منها:

أولًا: عدُّ الفقه والفقهاء في التاريخ الإسلامي، ممَّن سادت فيهم الرجعية والتخلف والانحطاط والجمود كما يقول هذا الأستاذ وأمثاله رمي وقذف بما يستحق أن يرمى به قائله، ومما قلت في ردها في (( المدخل ) ) (1) :

إن هذه الشبهة كما سبق الكلام ألقاها من أرادوا التفلت من أحكام الشريعة لرغباتهم ونزواتهم ووساوس شياطينهم من الإنس والجن، وإلا فإنه لا أساس لصحة شيء فيها سوى الافتراء على علماء الأمة ورميهم بأقبح التهم وقذفهم بالتقصير في حفظ هذا الشريعة الغراء بانخفاض هممهم عن القيام بواجبهم الديني.

وإلا فما معنى الانحطاط، فهل من العدل والإنصاف أن يقاس المشرق الإسلامي الذي كان يدين له العالم أجمع في بلاد لم تكن الشمس تغيب عنها على بلاد الغرب الغارقة في أوهام الكنسية ورجالاتها حتى كانت عندهم عصور وسطى سموها عصور الانحطاط، فهذه محاكاة ليست في محلها مطلقًا، فالعدو والصديق يعترف بالحضارة العظيمة التي كانت للمسلمين في تلك العصور، واستمرت في الدولة العثمانية التي كانت دول أوربا تتسابق إلى تقديم الولاء لها، وزيارة بابها العالي.

(1) المدخل إلى دراسة الفقه ص293-294.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت