إن وضع الأئمة الأربعة في صف مضاد للسنة أو للسلف تجنٍّ عليهم، وهو مرفوض؛ لأن مذاهبهم قد بنيت بناءً محكمًا على الكتاب والسنة…. وأخشى أن تكون هذه الدعوى دعوة حقّ يراد بها باطل؛ لأن هذه المذاهب الأربعة قد بينت لنا كيفية الأخذ من الكتاب والسنة في كتبها الأصولية والفقهية، بينما أصحاب هذه الدعوة رفعوا شعارً لم يضعوا تحته أي منهج، وادعوا الاجتهاد وألزموا الناس باتّباعهم )) .
الأصل العاشر
إن هذا الأصل له علاقة بأصل ظاهر الحديث، وأصل فقه الكتاب والسنة، إلا أنني أفردت بالكلام؛ لأن بعضهم يفرده، فيغتر به الآخرون؛ ولأنه بقي أمورًا تحتاج إلى الإيضاح، ما زالت مبهمة متعلقة بهذا الأصل، فنذكرها هنا.
وإن السائرين على هذا الأصل يظنون أن الأمة بقيت ضالة طوال هذه القرون، حتى يسَّرَ اللهُ للدين أمثالهم؛ ليعيدوها إلى الرشاد، ووصل الأمر ببعضهم أن يسمِّي مؤلفاته صحيح كذا، سعيًا منه إلى إهداء الذين ما زالوا على غير هدى ونور في هذا التاريخ الإسلامي الطويل، كما سمّاه آخر فقه الكتاب والسنة، أو فقه السنة، وهكذا.
والأدهى من ذلك أنهم يحتجون بكلام الأئمة لتأييد مأربهم، فيقولون: صح عن أئمة المذاهب الأربعة القول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأنهم نهو عن تقليدهم وتقليد غيرهم، فصارت هذه الكلمات العظيمة منهم مغمزة في فقههم وعلمهم، وتشكيكًا فيمن اتبعهم من علماء هذه الأمة المرحومة.
وفساد هذه الأصل ظاهر من وجوه:
أولًا: إن صحة الحديث أو ضعفه أمر غير مقطوع فيه بين علمائنا؛ لأنه مستند إلى أمور، منها:
توثيق رجال السند أو تضعيفهم.
إسناده الحديث أو إرساله.
اتصال الحديث أو انقطاع.
اضطرابه أو غير اضطرابه.
وجود إدراج فيه أو لا.
موافقة للأصول الأخرى أو لا، وهكذا.