وكلُّ واحد منهم يحتاج إلى نظر واجتهاد، فمثلًا أحدُهم يجتهد في الراوي ويعتمد توثيقه، وآخر يعتمد من تضعيفه؛ إلا من راوٍ إلا وتكلم فيه فهذا إمام الصنعة البخاري قد تكلِّم فيه وترك حديثه، قال ابن أبي حاتم (1) : (( سمع منه أبي وأبو زرعة ثم تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق ) ).
قال الإمام الذهبي (:(( لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة ) ) (2) .
وبيَّن الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ( معنى كلامه بعد أن الاستطراد في ذكر تأويل العلماء لكلامه، فقال(3) : (( لم يقع الاتفاق من العلماء على توثيق ضعيف، بل إذا وثقه بعضهم ضعَّفه غيرُه، كما لم يقع الاتفاق على تضعيف ثقة، فإذا ضعفه بعضهم وثّقه غيره، فلم يتفقوا على خلاف الواقع في جرح راو أو تعديله، ولفظ: اثنان؛ في كلامه المراد به: الجميع، كقولهم: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان) : أي يتفق عليه الجميع ولا ينازع فيه أحد، والله أعلم )).
وسبب هذا الخلاف غير المنتهي في الرجال هو اختلاف الأنظار في التضعيف والتوثيق، فبعضهم يضعف الراوي لتشيعه، وبعضهم يضعفهم للإرجاء، وبعضهم يضعف لقوله بخلق القرآن، وهكذا؛ لذلك قالوا بعدم قبول الجرح غير المفسر؛ لأن كثيرًا من أسباب التضعيف في الحقيقة هي توثيق للراوي، فمثلًا: إن الحقّ كان مع الإمام البخاري ( في قوله إن لفظ القرآن مخلوق، وعلى ذلك جماهير الأمة قاطبة، بخلاف من قال: إن لفظي القرآن غير مخلوق؛ لأن الواقع يرفضه.
إذا تذكرت ذلك أيّها القارئ الكريم علمت كم في علم الجرح والتعديل من خلاف وتناقض في توثيق الرجال وتضعيفهم، وكلّ هذا يعتمد على الاجتهاد والنظر.
(1) في الجرح والتعديل 7: 191.
(2) ينظر: المتكلمون في الرجال ص139، وغيره.
(3) في هامش المتكلمون في الرجال ص143.