وطالما أن الأمرَ خاضعٌ للاجتهاد فإنك لا تستطيع تجزم بصحة اجتهادك وبخطأ اجتهاد المقابل؛ لأن الحق عند الله واحد، ولا يعلمه إلا هو، وبذلك لا يمكنك الإنكار عليه وهو مستند في اجتهاده إلى سبب في الضعيف أو قوال محدّث يعتد به، وبذلك يكون الأمر دائرٌ في دائرة الاجتهاد والتراحم لا التنابذ والتخاصم.
وقسّ على ذلك الأسباب الأخرى التي ذكرتها لسبب الاختلاف في تصحيح الحديث وتضعيفه وغيرها مما لم أذكره، وكلُّ ذلك يوسع دائرة الاجتهاد صحة الحديث بما لا يجعل لعاقل أن ينكر على آخر إن اعتمد على حجة وبرهان.
ثانيًا: إن علم الحديث والجرح والتعديل الذي هو أساس تضعيف الحديث وتصحيحه، اعتمد فيه المعاصرين وغيرهم على أفذاذ المتأخرين ممن بذلوا الغالي والنفيس في تنقيحه وتهذيبه وتحقيقه من المزي والذي والعراقي وابن حجر، قال الحافظ السيوطي (1) : (( والذي أقوله: إن المحدِّثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزّّي، والذهبيّ، والعراقي، وابن حجر ) ).
ومعلوم أن هؤلاء الأئمة كانوا مذهبيين ملتزمين بمذاهب الفقهية، بل صار بعضهم قاضي القضاة في مذهبه، فمعرفة بالحديث والرجال زادت تمسكهم بمذاهبهم، ودفاعهم عن أحقيتها ورجحانها، لا على التفلت منها ورميها بتهمة مخالفة الحديث الصحيح، أفلا يستحي مَن يعتمد عليهم في التصحيح والتضعيف إلى رمي هذه مذاهبهم في التضعيف؟ ومثل هؤلاء كمثل من يشرب من البئر ثم يبول فيه، فلو كانت كما تقولون تخالف الحديث الصحيح؛ لكان أحقّ الناس بتركها أمثال هؤلاء الكبار؛ إلا إذا اتهمتهم بقلة الدين، والسير وراء الوظائف الدنيوية في سبب بقائهم عليها، وهذا رميٌ بلا بيِّنة، يستحق صاحبه التعزير، فإذا كنت شاكًا في دينهم كيف أمنتهم في الحكم على الحديث والرجال: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} (2) .
(1) في تذكرة الحفاظ ص348.
(2) المجادلة: من الآية2.