وأذكر إنني تناقشت يومًا مع أحدهم:
فقال لي: إننا نتبع الحديث الصحيح.
فقلت له: على مَن تعتمدون في التصحيح؟
فقال لي: على أمثال الحافظ ابن حجر.
فقلت له: ألم يكن الحافظ ابن حجر شافعيًا؟
فقال لي: نعم.
فقلت له: أيهما أعلم بالحديث الشافعي أم ابن حجر؟
فقال لي: الشافعي.
فقلت له: إن كان ابن حجر الذي تعتمدون عليه، بقي ملتزمًا بالمذهب الشافعي، وتولى منصب قاضي قضاة الشافعية في مصر، ولم يخرج عن مذهبه اعترافًا للشافعي بما هو عليه من المنزلة الحديثية والفقهية، وأنت اعترفت أن الشافعي أعلم من ابن حجر في الحديث، فكيف تتركون الأعلم والأفضل وتذهبون إلى غيره، فانقطع عن الكلام.
ثالثًا: إن أهل الاختيار والمجتهدين الجدّد ممن يؤلفون في الفقه المقارن، ويرجحون بين المذاهب بضاعتهم في الحديث مزجاة، وليس لهم رسوخ قدم علوم الحديث المختلفة لا سيما في الرجال والتصحيح والتضعيف.
وحقيقة أن لهم عذرًا في ذلك؛ لأن العلوم اتسعت دائرتها فأصبح من المحال الإحاطة بها في آن واحد، فعلم الرجال والرجال يحتاج إلى مَن يتفرغ إليه ليتقنه، وعلم الفقه كذلك، بل إن أحدنا يمضي عمره في الإحاطة بمسائل مذهب فقهي واحد، والتمكن منه، ومع يقطع الخطأ منه في بعضها؛ ولذلك نجد أن أصحاب الطبقات إذا أرادوا أن يثنوا على شخص، قالوا عنه: حافظ للمذهب؛ لأنه أمر غير متيسر لأي أحد مع كبر دائرة العلم.
ونجد أن نهضتنا العصرية قامت على أساس التخصص الدقيق من فرد في جزئية من العلوم؛ لإدراك عقلاء زماننا أن توزيع الجهد في أكثر من علم سبب للفشل والضياع.