فهرس الكتاب
…ولا يصح اعتبار المرء واعيًا وعيًا سياسيًا إذا كان يقول شيئًا ويعمل بخلافه، أو يرى رأيًا ولا يجهد في تطبيقه. إن إيمان الواعي بمبدأ أو بفكرة وعيًا سياسيًا يتمثل في أفعاله لا في خطاباته وكتاباته ولا في أحاديثه ومناقشاته. فإذا لم تتجسد أفكاره في أعمال وآثار حق له ولغيره أن يشك في وعيه أو في صحة وعيه على الأقل. فالواعون أفرادًا كانوا أو جماعات أو كتلة، لا يتأكد وعيهم إلاّ بالعمل ولا يظهر صدقهم إلاّ بالإقدام والتضحية. وهذي هي العلامة الفارقة للوعي السياسي الصحيح لأن معنى كونه وعيًا هو كونه تدبرًا، ومعنى كونه سياسيًا، هو كونه يرعى شؤونه كلها وشؤون أمّته على أساس هذا الوعي.
…ولذلك كان اصطدام الواعين بالقضايا في احتكاكهم بالواقع والناس ومشاكل الحياة المباشرة أمرًا حتميًا، لا فرق في ذلك بين الصعيد المحلي الداخلي والصعيد الدولي العالمي. وفي هذا الاصطدام تبرز المقدرة على جعل الرسالة التي يحملها أو الزاوية الخاصة التي ينظر إلى العالم منها هي الأساس وهي الحكم، وهي الغاية التي يسعى إليها. ولا فرق في ذلك بين الأفراد وبين الأمّة، فعمل الأمّة بما تقتضيه الزاوية الخاصة التي تنظر إلى العالم منها أمر حتمي كعمل الفرد، وتصديقها بها أمر حتمي كالفرد، واصطدامها بالقضايا واحتكاكها بالمشاكل أمر حتمي أيضًا كالفرد حتى يصح اعتبار وجود الوعي السياسي لديها. ولهذا يجب أن تتأصل في نفوس الأمّة كمجموعة واحدة، ثلاث خصال:
…إحداها: الاهتمام بمصالح الأمّة اهتمامًا تامًا بشكل آلي بديهي، فيقول المسلم في دعائه:"اللهم ارحم الأمّة الإسلامية"كما يقول:"اللهم ارحمني"، ويسأل: هل انتصر الجيش، قبل أن يسأل عن ابنه في الجيش.
…ثانيها: وحدة الرأي والانتظام تجاه ما يجب القضاء عليه، وتجاه ما يجب تأييده من أفكار وأعمال وأشخاص. أي تجاه ما يجب بناؤه وتجاه ما يجب هدمه.