فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 127

…وذلك أن القوى المادية من جسمية أو وسيلة تدفع لإرضاء شهوة صاحبها إلى العمل بمقدار تقديره لها ليس أكثر. وقد لا تدفعه إلى العمل مطلقًا مع توفرها لأنه لا يجد حاجة لهذا العمل. وعلى هذا فهي قوى محدودة الاندفاع ووجودها وحده لا يحتم الاندفاع إلى العمل. فالإنسان حين يريد أن يحارب عدوه يزن قواه الجسمية ويبحث وسائله المادية، فإذا وجد فيها الكفاية لمحاربة عدوه أقدم وإلاّ أحجم وتراجع. وقد يجد قواه كافية لسحق عدوه ولكن يتوهم أنه قد ينتصر بمن هو أقوى منه فيجبُن، أو يرى أن صرف قواه في رفاهة نفسه أو رفع مستوى عيشه فيتقاعس. فمحاربة العدو عمل يريد أن يقوم به الإنسان، ولكن لمّا كان يريد أن يندفع لذلك بمقدار ما يملك من قوى مادية صار اندفاعه محدودًا بها وصار مترددًا في القيام بالعمل مع توفرها حين عرضت له عوارض بعثت فيه الجُبن أو التقاعس.

…وهذا بخلاف القوى المعنوية فإنها تبعث في النفس تيار القيام بالعمل أولًا ثم تسعى للحصول على القوى الكافية للقيام به دون أن تقف عند حد قواها الموجودة، وقد تندفع بأكثر مما تملك من قوى مادية عادة، وقد تقف عند حد ما وصلت إلى جمعه من قوى. وعلى أي حال فهي تقوم بأكثر مما تملك من قوى مادية، وذلك كمن يريد أن يحارب عدوه لتحرير نفسه من سيطرته أو للأخذ بالثأر أو للشهرة أو انتصارًا للضعيف أو ما شاكل ذلك، فإنه يندفع أكثر ممن يحارب عدوه للغنيمة أو للاستعمار أو لمجرد السيطرة أو ما شابه ذلك. والسبب في هذا هو أن القوى المعنوية هي دافع داخلي مربوط بمفاهيم أعلى من المفاهيم الغريزية ويتطلب إشباعًا معينًا فتندفع القوى لإيجاد الوسائل لهذا الإشباع فتسيطر على المفاهيم الغريزية وتسخر القوى المادية، وبذلك تصبح لها هذه القوى التي تفوق القوى المادية.

…ومن هنا كانت دول العالم كله تحرص على إيجاد القوى المعنوية لدى جيوشها مع استكمال القوى المادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت