فهرس الكتاب
…أمّا القوى الروحية فإنها أقوى تأثيرًا في الإنسان من القوى المعنوية والقوى المادية، لأن القوى الروحية تنبعث من إدراك الإنسان صلته بالله خالق الوجود وخالق القوى. وهذا الإدراك العقلي أو الشعور الوجداني بهذه الصلة بالله يجعل اندفاع الإنسان بمقدار ما يطلب منه الخالق، لا بمقدار ما يملك من قوى، ولا بمقدار ما يمكنه أن يجمع من قوى، بل بمقدار ما يُطلب منه مهما كان هذا الطلب سواء أكان بمقدار قواه أم أكثر أم أقل، فقد يكون الطلب تقديم حياته صراحة، أو قد يكون مؤديًا إلى تقديم حياته، فإنه يقوم بالعمل وإن كان أكثر مما يملك من قوى وأكثر مما يجمع من قوى. ومن هنا كانت القوى الروحية أكثر تأثيرًا من جميع القوى التي لدى الإنسان.
…إلاّ أن هذه القوى الروحية إن كانت ناجمة عن شعور وجداني فقط فإنه يُخشى عليها من الهبوط والتغير بسبب تغلب مشاعر أخرى عليها أو تحولها بالمغالطة إلى أعمال أخرى غير التي كانت مندفعة لها. ولذلك كان لزامًا أن تكون القوى الروحية ناجمة عن إدراك وشعور يقينيين بصلة الإنسان بالله، وحينئذ تثبُت هذه القوى ويظل تيارها مندفعًا بمقدار ما يُطلب منها دون تردد. وإذا وُجدت القوى الروحية لم يصبح أي أثر للقوى المعنوية لأن الإنسان حينئذ لا يقوم بالعمل بدافعها بل بدافع القوى الروحية فقط، إذ لا يحارب عدوه لأخذ غنيمة ولا لفخر النصر، بل يحاربه لأن الله طلب منه ذلك، سواء حصلت له غنيمة أم لم تحصل، نال فخر النصر أو لم يعلم به أحد، لأنه لم يقم بالعمل إلاّ لأن الله طلب منه ذلك. أمّا القوى المادية فإنها تصبح وسائل للعمل لا قوى دافعة عليه.