فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 127

…ويتطلب الأسلوب من الكاتب أو المتكلم أن يكون فاهمًا لما يريد أداءه فهمًا دقيقًا جليًا ثم يحرص على أدائه كما هو، ولذلك أثره البعيد في قيمة الأسلوب. وبعد ذلك يأتي التعبير اللغوي الذي يتطلب من المنشئ ثروة لغوية وقدرة على التصرف في التراكيب والعبارات والكيفية التي يريد أداء الأفكار بها، كما يتطلب الأسلوب من المتكلم أن يكون هو نفسه متأثرًا منفعلًا قد أدرك الحقائق وحرص على إذاعتها. فيجب أن يوقظ عقله ومشاعره وأخيلته لتدرك المعاني بقوة، ثم بعد ذلك تأتي قوة التعبير باختيار الألفاظ التي تؤدي المعاني بما يتلاءم مع المعنى. فالمعنى الرقيق يؤتى له باللفظ الرقيق والمعنى الفخم يؤتى له باللفظ الفخم، وهكذا. وفوق ذلك فإن الأسلوب يتطلب من الكاتب أو المتكلم أن يدرك ما في المعاني من عمق واستنارة وما يتصل فيها من أسرار جميلة إدراكًا حادًا رائعًا، ثم بعد ذلك يختار أصفى العبارات وأليقها بهذا الخيال الجميل أو المعنى البديع مبتعدًا عن الألفاظ الخشنة والمتنافرة التي تؤذي الحس والذوق.

…هذا هو الأسلوب وهذا ما يتطلبه. ومنه يتبين أن المراد من الكتابة أو التكلم إنّما هو أداء المعاني التي لدى الكاتب أو المتكلم للقارئ أو السامع. ومن هنا كان الأصل في التعبير إنّما هو المعاني ثم تأتي بعد ذلك الألفاظ التي تؤدي هذه المعاني كما هي لدى الكاتب أو المتكلم. فالمسألة إذن تنحصر في أمرين: المعاني والألفاظ التي تؤدى بها هذه المعاني؛ ومن هنا اختلفت عناية الكتّاب والمتكلمين بالمعاني والألفاظ، فمنهم من وجّه عنايته إلى المعاني أولًا وأخضع الألفاظ إلى الدقة في أدائها، ومنهم من وجّه عنايته إلى الألفاظ أولًا وتساهل في دقة أداء المعاني في سبيل الألفاظ. ولذلك انقسم الأسلوب في الكتابة والتكلم إلى قسمين اثنين: أحدهما فكري والآخر أدبي، ولكل منهما نسيج خاص يخالف الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت