فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 127

…والأسلوب الأدبي فيه صنعة الانفعال والعناية بإظهار هذا الانفعال في المعاني والألفاظ التي يؤدي بها أفكاره، والاهتمام فيه منصب على قوة الانفعال وهو لغة العاطفة والمشاعر، والغاية فيه هي إثارة القراء والسامعين، وذلك بعرض الحقائق رائعة جميلة كما يتصورها الكاتب، أو كما يجب أن يتصورها السامعون والقراء. ويقصد فيه أن تتصف عبارته بالتفخيم والتعميم والوقوف عند مواطن الجمال والتأثير. ويتميز بقوة العاطفة التي تؤثر في عباراته تأثيرًا واضحًا يبدو في الكلمات والصور والتراكيب. وهو في جملته يتكون من ثلاثة عناصر: أحدها الأفكار، والثاني الصور التي يؤلفها، والثالث العبارات التي يصوغ بها الأفكار والصور.

…أمّا قوة الأسلوب ووضوحه وجماله فهي تكون بالأسلوب الفكري كما تكون في الأسلوب الأدبي ولا تختص بأسلوب معين، فهي صفة للأسلوب من حيث هو، سواء أكان أدبيًا أم فكريًا.

…ومن هنا نجد أن كثيرًا من الأساليب الفكرية بلغ فيها وضوح الأسلوب وجماله وقوته ما جعلها تفوق كثيرًا من الأساليب الأدبية تأثيرًا. والأسلوب الفكري يتحتم في تعليم الناس الأفكار وتفهيمهم إياها وإيجاد التصديق بها لديهم، ولا يؤدى ذلك إلاّ بالأسلوب الفكري وهو أيضًا يفيد بإثارة المشاعر للعمل بالأفكار التي فهمها، ولكن إثارته بطيئة وتحتاج إلى وجود إدراك للفكر حتى تثور المشاعر؛ إلاّ أن المشاعر التي توجد في هذا الأسلوب مشاعر دائمية لا تخبو إلاّ إذا فُقد التصديق بالفكر الذي أثارها.

…بخلاف الأسلوب الأدبي فإنه لا يفيد إلاّ باثارة المشاعر وهو يتحتم لتحريض الناس على العمل. وهو وإن كان يعلّم السامع والقارئ حقائق ولكنه يعلّم الحقائق السطحية والمعارف التافهة ولا قدرة له على أداء الأفكار العميقة، وإذا أن يؤديها فإنه يبسطها وينفشها ويتصرف بها فيذهب عنها عمقها ومعانيها فتسخف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت