…فجاءت نظرة المسلم للحياة الدنيا نظرة أمل باسم، وجدّيّة واقعية، ونظرة تقدير لها بقدرها، من حيث أنها يجب أن تُنال، ومن حيث أنها ليست غاية، ولا يصح أن تكون غاية. فيسعى المسلم في مناكبها ويأكل من رزق الله، ويتمتع بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، ولكنه يدرك أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار البقاء والخلود.
…وجاءت أحكام الإسلام تعالج للإنسان أمور البيع بطريقة خاصة كما تعالج أمور الصلاة. وتعالج مشاكل الزواج بطريقة خاصة كما تعالج أمور الزكاة. وتبين كيفية تملك المال وكيفية إنفاقه بطريقة خاصة كما تبين مسائل الحج. وتفصّل العقود والمعاملات بطريقة خاصة كما تفصّل الأدعية والعبادات. وتشرح الحدود والجنايات وسائر العقوبات كما تشرح عذاب جهنم ونعيم الجنة. وتدلّه على شكل الحكم وطريقته بطراز خاص كما تدله على الاندفاع الذاتي لتطبيق الأحكام طلبًا لرضوان الله. وترشده إلى علاقة الدولة مع سائر الدول والشعوب والأمم كما ترشده لحمل الدعوة للعالمين. وتُلزِمه الاتصاف بعليا الصفات باعتبارها أحكامًا من عند الله، لا لأنها صفات جميلة عند الناس.
…وهكذا، جاء الإسلام فنظم علاقات الإنسان كلها مع نفسه ومع الناس، كتنظيمه لعلاقته مع الله، في نسق واحد من الفكر ومن المعالجة. فصار الإنسان مكلَّفًا لأن يسير في هذه الحياة الدنيا بدافع معين، وفي طريق معين محدد، ونحو غاية معينة محددة.
…وقد ألزم الإسلام الناس بالتقيد في هذه الطريق وحدها دون غيرها، وحذّرهم عذابًا أليمًا في الآخرة، كما حذّرهم عقوبة صارمة في الدنيا ستقع إحداهما عليهم حتمًا إذا حادوا عن هذه الطريق قيد شعرة.
…ولهذا يصبح المسلم سائرًا في هذه الحياة سيرًا معينًا، يعيش عيشة معينة، في طراز خاص، بحكم اعتناقه عقيدة الإسلام، ووجوب طاعته لأوامر الله ونواهيه بالتقيد بأحكام الإسلام.