قال ابن عبد البر القرطبي: (( قوله: لا يغل عليهن قلب مؤمن . معناه: لا يكون القلب عليهن و معهن غليلًا ، يعني: لا يقوى فيه مرض و لا نفاق إذا أخلص العمل لله و لزم الجماعة ، و ناصح أولي الأمر ، أما قوله: فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . فمعناه عند أهل العلم: أن أهل الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ، و لم يكن لهم إمام ، فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام [1] و موضعه إمامًا لأنفسهم ، اجتمعوا عليه و رضوه ؛ فإن كل من خلفهم و أمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام ، إذا لم يكن معلنًا بالفسق و الفساد ، معروفًا بذلك ، لأنها دعوة محيطة بهم ، يجب إجابتها ، و لا يسع أحدًا التخلف عنها ، لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة ، و فساد ذات البين ) ) [2] .
فبذلك و جب على الأمة أن تتحد كلها استجابة لتعاليم ربها ، على هدي نبيها - صلى الله عليه وسلم - ، حتى ينصرها الله على أعدائها .
... و إن في و حدة المسلمين الأولين بقيادة الرسول الكريم أسوة و قدوة لمن بعدهم ، و لقد بارك الله و حدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، و صحبه و أثنى عليها و بين قوتها و فضلها ، بقوله عز وجل: { و إن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين و ألف بين قلوبهم لم أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } ] الأنفال: 62 و 63 [ .
... هذه هي الجماعة الأم ، جماعة المسلمين التي توافرت الأدلة و أقوال العلماء في الدعوة إلى لزومها و عدم الخروج عليها .
(1) 1 ... حضرة الإمام: أي المكان الذي يقيم فيه .
(2) 2 ... التمهيد لابن عبد البر 21 / 277 - 278 .