فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 320

قد يكون من المفهوم أن يمارس الدين الرفض لكل فكرة تتناقض مع أساسيّاته باعتباره ربّاني المصدر، وفق إيمان أتباعه؛ فالرب العليم الحكيم منزه عن النقص، وهو أعلم بما يُصلح خلقه. ولكن من غير المفهوم أن يكون ذلك من قِبل فلسفة تقّرُ بأنها بشريّة المصدر ثم هي تزعم لنفسها العصمة وتمارس التضييق والملاحقة لكل فكرة تخالفها، بل وتمارس الاجتثاث لكل من لا يؤمن بها، كما حصل في الفلسفة الماركسيّة، المسمّاة الاشتراكية العلميّة، وكما يحصل في العلمانيات المعاصرة، والتي تختلف في درجة رفضها للآخر من علمانيّة إلى أخرى. لقد أثبت الواقع التاريخي أنّ الإسلام استطاع أن ينتزع من قلوب أتباعه دوافع الرفض للآخرين، الذين يخالفون في الدين والاعتقاد، وجعلهم الأكثر تسامحًا في التاريخ البشري، كيف لا، وقد جاءت الشريعة الإسلاميّة بتنظيم العلاقة مع المخالفين، وأصبحت هذه العلاقة من بدهيّات الإسلام، وتحصّلت القناعة لدى المسلمين، منذ البداية، بأنّ المخالفين واقع حتمي لا بد من التعامل معه، وتمّ التفريق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة. كل ذلك جعل المسلمين الأقدر على تفهم واقع التنوع والاختلاف دنيويًا.

الإسلام، الذي تميّز على غيره في التعامل مع المخالفين، هو الذي شرّع حد الردّة. الإسلام، الذي حرّم إكراه الآخرين على ترك دينهم، هو الذي يقيم الحد على المرتد. جاء في الآية 99 من سورة الحجر:"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، وعلى الرغم من ذلك نجد أنّ الإسلام يحظر على المسلم تغيير دينه، في الوقت الذي لا يحظر على الآخرين تغيير دينهم، بل يدعوهم إلى الإسلام، ولكن لا يجبرهم على اعتناقه. فما معنى ذلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت