فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 320

لماذا القانون؟ لماذا السجون؟ لماذا العقوبات؟ نعم، لماذا نعاقب من يخالف القانون؟ ماذا لو كان الذي يخالف القانون إنما يخالفه عن قناعة؟ ولنأخذ الشذوذ الجنسي كمثال: هب أنّ فيلسوفًا اقتنع بأنّ الشذوذ الجنسي حريّة شخصيّة، وأراد أن يمارس ذلك في دولة علمانيّة يَحظرُ قانونها الشذوذ والدعوة إليه، فهل يُسمح له بذلك؟ وإذا لم يُسمح له فأين الحرية؟ وأيها أخطر الممارسة أم الدعوة النظريّة إلى الممارسة؟ الذي نراه أنّ الممارسة أقل خطرًا من الدعوة النظريّة، لأنّ الممارسة تجعل الأضرار محصورة في شخصين أو أكثر، ولكنّ الدعوة النظريّة توشك أن توجد القناعات، وأن تهدم الحواجز النفسيّة، فتتحول الممارسة إلى تيار. فالأولى إذن أن نتشدد مع الفكرة النظريّة أكثر من الممارسة العمليّة، من أجل حماية المجتمع من مرض يمس عقيدة الناس وأخلاقهم. وما يقال في الشذوذ الجنسي يقال في أيّ فكرة أخرى. ولا داعي للفصل بين السلوك والفكرة، لأنّ الفكرة أخطر وأشد ضررًا. إنّ الذين ينتقدون حد الردّة باعتباره يقمع الحريّة الفرديّة، يعلمون أنّ القوانين في كل العالم تحظر الكثير من الممارسات، ولا شك أنّ إعلان الفكرة هو نوع من الممارسة. إنهم لا يقيمون وزنًا للدين والعقائد الدينيّة لذا نجدهم يستنكرون حماية الإسلام لأساسيات العقيدة. وعلى الرُّغم من إدراكهم وعلمهم بأنّ النظم العلمانيّة جاءت لتقصي الدين وتبعده عن الحياة نجدهم يزعمون بأنّ الدول العلمانيّة تتسامح مع الأديان، وهذه مغالطة، لأنّ التسامح الديني لا يكون إلا ممن يؤمن بالدين بعمق، ثم هو يتسامح مع المخالف. أما الذي يعادي الدين فلماذا لا يكون معنيًا بفوضى تقوّض أسس الدين. وإذا أردنا أن نختبر تسامحهم، فلننظر إلى موقفهم ممن يعمل على تقويض أسس النظام العلماني. وقد يكون من المناسب هنا أن نذكر بالطرفة القديمة التي تقول إنّ أمريكيًّا افتخر أمام شيوعي بأنّه يستطيع أن يشتُم كندي، الرئيس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت