فهرس الكتاب
لا توجد دولة إلا وتضع القانون الذي ينظم علاقة الناس بعضهم ببعض، وتقوم السلطة التنفيذيّة بحماية هذا القانون، وتكون طاعة الدولة من الواجبات التي لا يُسمح لأحد أن يفرّط فيها. أما الشّريعة الإسلاميّة فلم تقتصر على تنظيم علاقة الناس بعضهم ببعض، بل تعدّت ذلك إلى تنظيم علاقة الإنسان بالوجود، ثم هي تعمل على تربية الإنسان والارتقاء به. ومن أجل تحقيق التفاعل والالتزام من قبل الناس جعل الله تعالى الالتزام بهذه الشّريعة عبادة يثاب عليها المؤمن، وجعل المفرّط بها عاصيًا مستحقًا للعقوبة. وإذا كان للقانون سلطة إلزام دنيويّة، فإنّ للشريعة سلطة دنيوية وأخرى أخروية. وهذا يعني أنّ الله تعالى قد تعبّدنا بمصلحتنا، فنحن الذين بحاجة إلى تنظيم ورعاية وهداية وتربية وتنمية، فكان من نعمة الله بالناس ورحمته أن جعل تَحقق مصالحهم عبادة له، نسبها إلى نفسه، لتكون هذه النسبة سلطة إلزام تدفع الناس لتحقيق المصالح ودرء المفاسد. من هنا لا يصح سؤال من يقول:"وهل يحتاج الله لعبادتنا؟"، لأننا نحن الذين بحاجة إلى عبادته تعالى، فعبادته هي التي تحقق مصالحنا. من الذي يستفيد عندما تُشرع الزكاة؟... وحتى الصلاة، التي قد تبدو صلة بين العبد والرب، فمردودها على الفرد والجماعة واضح وملموس. والله تعالى يقول:"إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر". في المقابل من الذي يتضرر إذا انتشرت الفحشاء والمنكر...الخ؟.
يمكن أن يقودنا هذا إلى القول بأنّ العبادة وسيلة لإصلاح الدنيا من أجل صلاح الآخرة. ومن أبرز الأدلة على أنّ العبادة وسيلة وليست غاية أنّ التكاليف العبادات في الدنيا غير موجودة في الآخرة. وعليه فلو كان الله تعالى قد خلقنا من أجل هذه العبادات لكانت من أهم حقائق الآخرة.
إذن فلماذا خلقنا الله؟
حتى نصل إلى الإجابة عن هذا السؤال نقوم أولًا بطرح المثال الآتي: