فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 320

إذا قلنا بأنّه معجز نكون قد حصلنا على النتيجة المرجوّة، وإذا قلنا بأنّه غير معجزٍ يكون علينا أن نفسّر ظاهرة امتناع العرب عن الإتيان بمثله، على الرغم من التحدي الجاد. ومفهوم أن يكون الامتناع عن عجز، وغير مفهوم أن يكون عن قدرة وتمكُّن؛ فالامتناع في هذه الحالة لا يكون إلا عن عجز.

استثناء تاريخي:

يمكن أن ندرك حقيقة كون القرآن الكريم وحيًا ربّانيًّا عند ملاحظة الآتي:

أنّه قد جاء على لسان رجل أمي نشأ وعاش في بيئة أميّة.

كانت نبوة الرسول، عليه السلام، في سن الأربعين، ولم يُؤْثَر عنه قبل ذلك عملًا أدبيًا بليغًا، وذلك على الرُّغم من أنّ الأجواء المحيطة كانت تساعد على ذلك؛ فقد كان العرب يُقدّرون البلغاء عاليًا. ولو كانت البلاغة لدى الرسول، عليه السلام، قدرة ذاتية لظهرت في سن الشباب؛ حيث يميل الشاب بقوة إلى إثبات ذاته والإعلان عن قدراته.

معلوم أنّ البلغاء يتفاوتون في قدراتهم بتفاوت الأغراض؛ فهناك من يُبدع في الوصف، وآخر يُبدع في الهجاء، وثالث يُبدع في الحماسة...، ولم نعهد بليغًا يتميّز على الجميع في شتى الأغراض. ومعلوم أنّ القرآن الكريم يحتفظ بمستوى بلاغته الفريدة عندما يتحدّث في العقيدة والشريعة والأخلاق، وفي الوصف والمدح والذم، وعندما يُفصّل في أحكام الطلاق والميراث وغيرها أو يوجِز.

لم نعهد بليغًا يحافظ على مستوى بلاغته في كل أحواله النفسيّة، فما من بليغ إلا وتعتريه حالات ضعف، ويكون ذلك بين مد وجزر. والمتدبّر للقرآن الكريم لا يجد ضعفًا ولا ركاكة في آية من آياته الكريمة البالغة 6236 آية، بل ولا يلحظ فيه مستويات للبلاغة، بل ولا يمكن المفاضلة بين بلاغة آياته. أما التفاوت لدى الناس في درجات تفاعلهم معه، فالتجربة تقول إنّ ذلك يرجع إلى أمور منها، فصاحة المستمع ودرجة وعيه وثقافته، أو حالاته النفسيّة، أو موافقة النص وتناسبه مع واقع الحال عند السماع ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت