صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويُعَكَّرُ عليه أن جمعًا جمًا رأوه في المنام ثم لم يُذكر عن واحد منهم أنه رآه في اليقظة
وخبر الصادق لا يتخلف. وقد أشتد إنكار القرطبي [1] على من قال: من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة).]"فتح الباري" (12/ 385) [.
والإنكار الذي أشار إليه ابن حجر هو قول القرطبي: (اختلف في معنى الحديث فقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء، وهذا قول يُدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، لأنه جائز أن يُرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل) .
وممن أنكر على القوم رؤيتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة القاضي أبوبكر بن العربي [2] قال كما في"فتح الباري" (12/ 384) : (وشذ بعض القدرية فقال: الرؤية لا حقيقة لها أصلًا وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس) .
الوجه الخامس: اضطراب مقالات القوم في كيفية الرؤية:
فلما اشتد الإنكار على هؤلاء القائلين برؤيته - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا بعد وفاته يقظة لا منامًا، اضطربت مقالاتهم في كيفية تلك الرؤيا فمنهم من أخذته العزة بالإثم فنفى الموت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكلية وزعم أن موته - صلى الله عليه وسلم - هو تستره
(1) : أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث صاحب"المفهم شرح مسلم"ت.656هـ."البداية والنهاية" (13/ 226) . وكتاب"المفهم"توجد منه أجزاء مخطوطة ناقصة بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية برقم (5959/ 1) (فلم) .
(2) : محمد بن محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي الأشبيلي المالكي، أكبر علماء الأندلس، له كتب كثيرة منها:"عارضة الأحوذي في شرح الترمذي"و"أحكام القرآن"ت. سنة 543 هـ. انظر"سير أعلام النبلاء (20/ 197) ؛"شجرة النور الزكية في طبقات المالكية" (ص136) ."