عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أني لست أتقوله من عندي ولا أفتريه، أنكم عاجزون عن معارضته وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل لا تنتقدون عليّ شيئاَ تغمصوني به ولهذا قال: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) } [1] أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق - والفضل ما شهدت به الأعداء- فقال هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله [2] .
وفي قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} . يقول ابن سعدي: أن الذي حملهم على هذا التعنت، الذي صدر منهم، هو عدم إيمانهم بلقاء الله، وعدم رجائه، وأن من آمن بلقاء الله، فلا بد أن ينقاد لهذا الكتاب، ويؤمن به، لأنه حسن القصد [3] .
ح- قو له تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: القرآن.
لقد كذب أهل الباطل محمدًا صلى الله عليه وسلم، بآية عظيمة لا يستطيعون لها دفعًا ولا معارضة، فقالوا: إن القرآن الذي أتى به محمدًا مختلق، مفترى ليس من عند الله -وهم أهل الفصاحة! -؛ بل إنهم كذبوا وقالوا إثمًا وزورًا: إن هذا القرآن أخذه محمد من رجل أعجمي كان في مكة لبعض بطون قريش، وكان بياعًا يبيع في الصفا [4] ، فأكذبهم الله بقوله:
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) } [5] .
ثم تحداهم الله وتدرج معهم في التحدي، فتحداهم أولًا أن يأتوا بمثل هذا القرآن المختلق المفترى بزعهم، فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) } [6] . وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) } [7] . ثم تحداهم بأن
(1) . الآيات السابقات من سورة يونس (15 - 16) .
(2) . تفسير الآيات السابقات لا بن كثير (2/ 422)
(3) . تيسير الكريم الرحمن (3/ 336)
(4) . انظر تفسير ابن كثير عند هذه الآية.
(5) . النحل.
(6) .الإسرا.
(7) . هود