الصفحة 20 من 40

ث- قو له تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [1] .

وهذا لون آخر من ألوان المعارضة والتكذيب، حيث يجعل المشركون الحق في جانب من هو أكثر أموالًا وأولادًا، وأحسن منظرًا وصورة!. يقول ابن سعدي: أي: وإذا تتلى علىهؤلاء الكفار آياتنا بينات، أي: واضحات الدلالة على وحدانية الله، وصدق رسله توجب لمن سمعها، صدق الإيمان، وشدة الإيقان- قابلوها بضد ما يجب لها، واستهزءوا بها، ومن آمن بها، واستدلوا بحسن حالهم في الدنيا، على أنهم خير من المؤمنين فقالوا معارضين للحق: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ} أي: نحن والمؤمنين {خَيْرٌ مَقَامًا} أي: في الدنيا، من كثرة الأموال والأولاد، وتفوق الشهوات {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} أي مجلسًا.

أي: فاستنتجوا من هذه المقدمة الفاسدة، بسبب أنهم أكثر مالًا وأولادًا وقد حصلت أكثر مطالبهم من الدنيا، ومجالسهم وأنديتهم مزخرفة مزوقة. والمؤمنون بخلاف هذه الحال، فهم خير من المؤمنين، وهذا دليل في غاية الفساد. وهو من باب قلب الحقائق، وإلا فكثرة الأموال والأولاد، وحسن المنظر، كثيرًا ما يكون سببًا لهلاك صاحبه، وشقائه، وشره، ولهذا قال تعالى:

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا} [2] . أي متاعًا، من أوان وفرش، وبيوت وزخارف {وَرِئْيًا} أي: أحسن مرأى ومنظرًا، من غضارة العيش، وسرور اللذات، وحسن الصور. فإذا كان هؤلاء المهلكون أحسن منهم أثاثًا ورئيًا، ولم يمنعهم ذلك من حلول العقاب بهم، فكيف بهؤلاء، هم أقل منهم وأذل، معتصمين من العذاب، {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر} ؟. وعُلم من هذا، أن الاستدلال على خير الآخرة بخير الدنيا، من أفسد الأدلة، وأنه من طرق الكفار. اهـ [3] .

ج- قو له تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} .

وهذا لون آخر من ألوان التكذيب والمشاقة للرسل، وهو أن المشركين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم -تعنتًا- أن يأتيهم بقرآن غيره أو يبدله. أي: رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر، قاله ابن كثير [4] . فأمره الله رسوله أن يقول:

{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} أي: ليس إلي إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) } ثم قال محتجًا عليهم في صحة ما جاءهم به: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ} . أي: هذا إنما جئتكم

(1) . مريم (73)

(2) . مريم (74)

(3) . تيسير الكريم الرحمن (5/ 131 - 132)

(4) . تفسير القرآن العظيم. (2/ 422)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت