الصفحة 33 من 40

والشاهد هنا قوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} : وهذه السكرة، سكرة محبة الفاحشة، التي لا يبالون معها بعذل ولا لوم [1] .

8 -حال الداعي مع المدعو.

أ- اللين في الخطاب الدعوي.

ونلمح ذلك في أمر الله لموسى وهارون أن يُلينا في القول لفرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [2] . ففرعون مع جبروته وعلوه وظلمه، إلا أن اللين في الدعوة قد يزيل قسوة القلب. وثمة موقف آخر، وهو موقف إبراهيم -عليه السلام- من أبيه (آزر) الذي آثر الشرك والتنديد على التوحيد، ومع ذلك نرى خطاب إبراهيم عليه السلام لأبيه من ألين القول وأرقه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) } [3] .

وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كانت يدعو قومه ويلين لهم الكلام والخطاب، ويجادلهم بالتي هي أحسن، حتى يرغبهم في دين الله.

ب-الاستمرار في الدعوة وعدم اليأس.

وهذا حال الداعي المسلم المتأسي بأنبياء الله ورسله، فإنه يستمر على دعوة الناس والصبر على أذاهم، وتحمل المشاق في ذات الله، كما كانت الأنبياء والرسل تفعل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم سلف -بأبي هو وأمي -وخير سلف.

ولنستمع إلى عائشة رضي الله عنها وهي تسوق ما أخبرها به النبي صلى الله عليه وسلم عن إيذاء قومه له وصبره عليهم وعدم يأسه منهم: (قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن

(1) . تفسير ابن سعدي (4/ 173)

(2) . طه (44)

(3) . مريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت