فهرس الكتاب
فانظر -رعاك الله - إلى طريقة موسى-عليه السلام- ومحاورته لفرعون في إثبات وجود الله واستحقاقه للعبادة، ثم ترتيبه للآيات فبدأ بالكونية أولًا ثم لما لم يفد ذلك معهم لجأ إلى الآيات المعجزة التي لا تعارض أبدًا.
7 -عمل الفاحشة و السيئات والاستمرار عليها يؤدي إلى فقدان العقل للتمييز بين الحق والباطل.
وهذا جليٌ في قصة قوم لوط، فإنهم كانوا قد أدمنوا الفاحشة، وإتيان الذكور دون الإناث، فخالفوا الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولما كانت تلك حالهم، وهذا دأبهم، ابتلوا بفقدان التمييز بين الحق والباطل، فلم يقيموا وزنًا لدعوة نبيهم لوط-عليه السلام- ولم يرتدعوا عما هم عليه من فعل القبائح ومخالفة الفطرة السوية؛ بل لم تكن لهم قلوب يفقهون بها أو عقول ترشدهم إلى ما فيه صلاحهم وتقواهم، لما اعتادوا الفاحشة وكانت دأبهم وديدنهم.
يقول تعالى مخبرًا وواصفًا حالهم: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) } [1] .
فانظر إلى وصف الله لمجيئهم للوط عليه السلام بعد أن علموا أن عنده أضياف حسان الوجه: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي جاءوا مسرعين يريدون فعل الفاحشة بأضياف لوط عليه السلام. قال ابن عباس وقتادة والسدي: يهرعون: يهرولون. [وقال] الضحاك: يسعون، [وقال] ابن عيينة: كأنهم يدفعون. اهـ [2] . وإسراعهم دليلٌ على شدة تعلقهم بالفاحشة، وسفه عقولهم. وقوله تعالى: {وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} أي كان من عادتهم إتيان الرجال دون النساء، فسبب لهم مدوامتهم على فعل الفاحشة أن لم يصبروا حتى جاءوا مهرولين مسارعين.
وقال تعالى: {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) } [3] .
(1) . هود.
(2) . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (المجلد الخامس) (9/ 51)
(3) . الحجر.