فهرس الكتاب
ومن أظهر المواقف في هذا قصة نبي الله سليمان مع الهدهد، فإن الهدهد لما أخبره بشرك بلقيس وقومها، وسجودهم للشمس وعبادتهم لها من دون الله، تأنى سليمان عليه السلام، ولم يعاجلهم بغزو أو نحو ذلك بل قال: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [1] . ثم أرسل مع الهدهد رسالة يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته وحده.
والله سبحانه أمر عباده بالتثبت والتبين إن جاءهم فاسق بنبأ، وأن لا يتعجلوا حتى يتيقنوا من صحة الخبر فقال تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [2] . وكم تعجل أناس في أمور فأعقبهم ذلك ندمًا شديدًاَ، وتمنوا أن لو تثبتوا وتيقنوا.
18 -المؤمِّن على الدعاء شريك للداعي.
ونستفيد هذا الحكم من دعاء موسى على فرعون وقومه، فقال موسى:
{رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم} [3] . قال الله تعالى مخاطبًا موسى وهارون: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [4] . ... فكان الدعاء من موسى، وكان استجاب الدعاء من موسى وهارون، قال العلماء: كان موسى يدعو وكان هارون -عليهما السلام- يؤمن على دعائه، وهذا دليل على أن المؤمن على الدعاء شريك للداعي.
19 -ختم الدعاء بما يناسب حال الداعي.
من آداب الدعاء، أن يسلك الداعي في سؤاله ربه سبيل التذلل والخضوع، وأن ينتقي الألفاظ المناسبة التي تناسب حاله وحاجته، فهو أدعى لقبول دعائه، وإجابته سؤله. وتلك كانت طريقة الأنبياء والرسل، فهذا أيوب عليه السلام بعد أن مسه النصب والضر يدعو ربه برحمته أن يرفع عنه الضر والمرض: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) } [5] . وزكريا عليه السلام لما حُرم الولد تضرع إلى مولاه أن يرزقه الذريه ووصفه بأنه خير الوارثين: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا
(1) . النمل (27)
(2) .الحجرات (6)
(3) . يونس (88)
(4) . يونس (89)
(5) . الأنبياء.