لا يزال هناك في الشراع صغار هاجعون, يحوم حولهم قلب الأم، وقلبها دليلها، لقد استيقظ (عبد الله) ابن الخامسة, وبدأ يبحث عن أمه، القلب الصغير يبحث عن القلب الكبير، وها هي قد عادت للحظتها بمولود تحمله بين ذراعيها ليستأثر باهتمامها بعض الوقت, لقد أصبح بالنسبة لإخوته الصغار بمثابة دمية، أما بالنسبة للأبوين فهو استمرار للوجود، وسبب جديد للسعادة، وبذرة لاحتضان المستقبل. ... أهو (سلمان) كما يقول أبوه, تيمنًا بسلمان الفارسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي كان الإمام يتلو سيرته وخبره في المسجد؟ ... أم (سليمان) كما تقوله الأم جريًا على العادة في تسمية المولود باسم جدِّه، فقد كان هذا اسم أبيها؟ ... أيًا كان فقد مضت القسمة عادلة، فكانت الشهرة للاسم الأول، وغالب الأوراق الثبوتية للثاني! ... سبقه أخوان، وأختان. ... ولحقه أخ وأخت. ... وكبرى الأخوات تزوجت في السابعة عشرة من عمرها, يوم كان هو في الثالثة، وكم عانى وتألم لفراقها. ... يذكر أنها أصيبت بمرض في عينها شخصته أمُّه بأنه (أم ذيل) ، وعلاجه الكي، والحجبة (الحمية) أربعين يومًا لا تأكل إلا طعامًا خاصًا تصنعه أمها من الحنطة, وحده فقط كان يشاركها ذلك الطعام، ويستمتع بحنانها قبل طعامها الذي تؤثره به, ولم يفته أن يوظف هذه الحادثة المرسومة الراسخة ليدعو على من حرمه من أخته الحبيبة بالزواج والانتقال إلى قرية أخرى بأن تصيبه (أم زيل) وأن يقعد أربعين يومًا في الحجبة! دون أن يدرك من المقصود بهذه الدعوة البريئة! ... وهو ينتظر عودتها كل يوم، حتى أيقن أنها لن تعود, وقتما يشاء, وبدأ يفهم حركة الانتقال تلك عندما لحظ الزيارات الدورية بين الفتاة وأهلها .. وشاهد دموع الأم، وسمع قصائدها الوجدانية تشتكي ألم الفراق، وتحن إلى أيام القرب والوصال. ... إنه يرقب مجيئها بحزن وتطلع، وحين يراها يسرع الخطى ليرتمي في حضنها مسائلًا: ... كم ستبقى؟! ... وإذْ لم يرقه الجواب فالاحتجاج أن يطلق صوتًا أشبه بصفارة الإنذار، أن يبكي ويبكي بأقصى ما يستطيع. ... وذات يوم أبصر صديقتها التي تشبهها في القوام وتكبرها في السن على مقربة من الباب؛ فهرول إليها ضاحكًا فرحًا يحيط ساقيها بذراعيه، وهو يظنها أخته، ويهتف بلثغة ظاهرة (جئت يا حُمَيِّلَة!) . ... ست سنوات قضاها في محضنه الأول، قبل أن يدخل المدرسة، عند الآخرين كانت حافلة