لم يكن متشجعًا على الرفض, فالبيع بالدين طريقة دارجة في هذا المحل, وأيضًا فهو لا يزال حزينًا لذلك الرجل الذي عيره وآذاه؛ لأنه رفض أن يبيعه إلا بالنقد. ... ومر الموقف بسلام, وفات الأب أن يلحظ غياب بعض السلع دون تفسير على الورق, أو في الدرج الذي تحفظ فيه النقود. ... هو بياع, لكنه طفل يقع له أن يختلس ـ كإخوته ـ شيئًا زهيدًا يشتري به عصير التوت من (مصلح) أو الحلوى, أو الألعاب, أو بعض كتيبات المغامرات الطفولية التي تعرف عليها, ولكن ليس كل مرة تسلم الجرة, فها هو الوالد يضع يده على جيبه ليكتشف الاختلاس, ويعيده إلى محلِّه بلباقة, باعثًا برسالة تربوية عبر الأم, مفادها أنه يتفهم أن المال بقي في جيب الولد نسيانًا وعفوًا من غير قصد. ... إلى جنب الدكان كانت (المكتبة العلمية) التي يديرها الشيخ (عبد الرحمن الجطيلي) - رحمه الله - وكانت إحدى أهم المغريات التي تحفز الجماعة إلى المتجر, حيث يتسللون إليها لواذًا، هربًا من حرارة الجو؛ فقد كان فيها مراوح كهربائيةلم تتوفر في الدكان بعد, وكان الشاي يسكب للرواد بين وقت وآخر, إضافة إلى تصفح الجرائد المحلية, والمجلات, وبعض القصص والروايات. ... لقد وجد الصبي نفسه بعد زمن ملمًّا بالعديد من أسماء الكتب والمجلات والروايات, ومتصلًا بشخصيات بارزة في عالم الأدب والشعر, بفضل تلك الزيارات المنتظمة للمكتبة. ... لقد فتحت النقلة إلى المدينة آفاقًا جديدة, شكلت حياة الصبي, وحددت وجهته, وزودته ببعض التجارب, وطورت لديه بعض الملكات. ... صداقات الحي ظلت متصلة معه دون انقطاع, فالشيخ (صالح إبراهيم الشيبان) - رحمه الله- زميل الدراسة الأولى, والذي قضى في حادث سيارة, كان هو الفتى الذي يسكن في الحي ذاته, والصديقان يتقاسمان السكن والأسرة والحياة، والأمهات ثم القراءة والدعوة بعدُ، في ودٍّ لم يقطعه الموت. ... والجلوس في المتجر كان تدريبًا لطبيعة تأنس بالناس, وتسعد بصحبتهم ومحادثتهم, وتتعاطى معهم على تفاوت السن والثقافة. ... والمكتبة العامة كانت نافذة إلى عالم القراءة التي غدت عشقه الأكبر, ولا غرو أن صار بعدُ, يحمل كتبه الخاصة إلى السوق يقرؤها وقت الفراغ, ويحفظ ما راق له من مقطوعات الشعر العربي, مما لا يزال يحفظه ويردده إلى اليوم. ... لقد كان الصبي ثم الفتى يتنقل بين محلين متجاورين, لمنهومين لا يشبعان، دكان (طالب المال) ، ودكان (طالب العلم) . ... وإن كان آثر حين صار الاختيار إليه الآخرَ على الأول، وصار لا يحسد صاحب المال، ولكنه يغبط طالب العلم.