فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 19

المتجر الجديد في المركز التجاري لبريدة (الجردة) ، ليحقق من خلاله ذاته الفطرية، ويجلب القوت لولده، ويؤمِّن بإذن ربه مستقبل أسرته، وإلى ذلك كان يقوم بالمزاد على الفواكه والخضار التي يجلبها الفلاحون من حقولهم. ... لم يساور الأب قلق من النجاح، فهو يملك مثابرة جيدة وصبرًا وثقة، وكما يقول اليابانيون: (المثابرة تَفُلُّ الحديد) . ... الصبية يتبعون أباهم ويندمجون معه في جهده العظيم، يلتزمون بالذهاب إلى الدكان في المساء، ليتعلموا كيف يكون التعامل، ومع أن النفس أحيانًا لا تندفع للذهاب، إلا أنها حين تكون في الميدان يتملكها شعور مفعم بالحماسة والرغبة في التفوق، والأب يوزع المهام بذكاء فطري. ... وفي الإجازات يذهبون صباحًا أيضًا في وجبة إضافية للعمل، تتخللها فرص للتفسّح والمتعة. ... أولئك المسنون في (مشالحهم = عباءاتهم) القديمة وفرشهم البالية، هم قلب الحياة الاقتصادية النابض، ومستودع التجارب والمعارف والحكم. ... كانت تلك فترة مليئة بالأحداث الصغيرة عند الكبار، الكبيرة عند الصغار، وكانت مدرسة حقيقية للتدرب على بناء العلاقة الودّية مع الآخرين من أهل المدينة، ومن الطارئين عليها من الأرياف والبوادي، خاصة وأن صاحب المحل كريم النفس، طيب الخلق، دائم البسمة، حتى حينما يتندّر عليه جيرانه، وكثيرًا ما يشركه في غدائه وعشائه من تخلّفوا عن القفول إلى أهليهم، أو فاتهم (البريد) ولا غرو أن استطاع أن يستقطب حوله العديد من أهل الأرياف الذين من عادتهم أن يتعاملوا بمجموعهم مع صاحب محل واحد. ... لقد كان قدر من تجارته بالدَّيْن، فلكل قرية دفتر (يومية) , ولكل زبون حساب خاص. ... ولعل معظم هذه الديون ظل إلى اليوم حبيس الدفاتر العتيقة، بخط الصبية، أو بخط الأب الذي كان يكتب حروفًا تعلمها عن كبر, فلا يكاد يفك خطه أحدٌ سواه! ... لا زال الصبي يذكر ذلك الرجل الذي اغتنم خلو الدكان من سيده, ودلف بلهجة الحازم الجازم قائلًا بالأمر: ... زن كذا من القهوة, وكذا من الهيل, و ... و ... ... بينما كان يحاول أن يحمل على ظهره كيسًا من الأرز, ثم آخر من السكر, أعطني كرتون شاي, ليملأ مركبته بما يحتاجه منزل مقفر مليء بالعيال، قائلًا بغير انتظار: سجلها على الحساب. ... ويركب سيارته ويمضي تاركًا البائع الصغير والحيرة في عينيه, يقلب كفيه, ويخاطب نفسه؛ أي حساب؟ ... ومن تكون؟ ... أي حرج صنعته لي لو علم أبي بما جرى؟! وأدرك أنني لم أكن كفئًا للمسؤولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت