وأغفلت مسالك التربية بالرفق واللين والرحمة، وقوّت النصوص الضعيفة، حتى الصغار صاروا يسمعون (ولا ترفع سوطك عنهم أدبًا) (علقوا السوط حيث يراه أهل البيت) ! ... هذه القسوة جزء من التعليم في الأرياف العربية، من الكتاتيب إلى المدارس الرسمية، إلى المجالس التعليمية حيث (العصا لمن أطاع أو عصا!) . ... وها هو يمضي سنته الأولى في مدرسة القرية، وهو يتطلع - ضمن الأسرة - إلى مغادرة القرية صوب المدينة حيث الحياة - في نظرهم - أجمل وأوسع، وحيث وعود الأب التي تكررت، وتبرم الطفل بالتأجيل الذي حال بينه وبين أمنية داعبت أحلامه .. أن يرى نفسه من سكان المدينة، وأن يعود إلى القرية يومًا زائرًا؛ ليسلم على صبيانها ويتجول في أزقتها! ... لقد تكامل بناء البيت الطيني الجديد في المدينة، وبدأ التهيؤ النفسي لدى الكبار، والصبر النافد لدى الصغار. ... شهور مضت على السنة الثانية الابتدائية, جرت بعدها النقلة إلى (بريدة) وتحديدًا (حي الموطأ) ، والمنزل الجديد المبني من طابقين، والجيرة الجديدة، ومدرسة (الحويزة) بأساتذتها الفضلاء، الذين صدق عليهم، وعلى من سبقهم حديث الشاعر (محمود غنيم) : ... حنانيكَ إني قد بُليتُ بصبيةٍ *** أروحُ وأغدو كلَ يومٍ عليهمُ ... صغارٌ نربيهم بملءِ عقولهم *** ونبنيهمُ .. لكننا نَتَهدمُ ... لأوشكُ أن أرتدَّ طفلا؛ لطولِ ما *** أمثِّل دَورَ الطفلِ بين يديهمُ ... فصولٌ بدأناها، وسوف نعيدُها *** دواليْكَ، واللحنُ المكرَّرُ يُسأمُ ... فمن كان يرثي قلبُه لمعذب *** فأجدَرُ شخصٍ بالرثاءِ المعلمُ ... على كتفيه يبلغُ المجدَ غيرُه *** فما هو إلا للتّسلّقِ سُلمُ ... فهم كما يحب الجاحظ أن يقول: معلمو صبيان، تصابوا حتى تعلمنا، وتصاغروا حتى كبرنا، فكبروا في أعيننا. ... ورضي الله عن الإمام الشافعي إذ يقول: الحر من راعى وداد لحظة، أو تمسك بمن أفاده لفظة. ... تلك الخطى التي مشاها، وكتبت عليه بين البيت والمدرسة، وإن بدت كليلة، يلحقها التعثر والملال، بيد أنها كانت الانبعاث الأول البدائي نحو الفهم والعلم. ... وكان هذا القلب، وكان هذا الحب، للمنزل الأول، مهما نقلت فؤادك من الهوى. ... سلمان بن فهد العودة ... 18/ 2/1426هـ ... بريدة
هذا هو اسم الحي المطل على مدينة بريدة من الغرب، حين دخلوه أول مرة، والذي كان جسرًا إلى أساليب وأدوات جديدة للمعرفة، يظفر بها طفل في الثامنة من عمره، وصار الحي يعرف بعدُ باسم (حي الهلال) ، حين استأجرت جمعية الهلال أحد بيوته. ... البيت الطيني الجديد يحضن طفولة هؤلاء الصبية، وشبيبة آخرين إلى ما بعد الزواج والاستقلال. ... إنه قصر فخم في نظر ابن القرية، يتكون من طابقين وعريش، يشبه عريش المدرسة التي درس فيها في قريته سنة وبعض أخرى، وتفتح على العريش العديد من الغرفات التي صبغت بعدُ بالجص والإسمنت لتبدو شيئًا يدعو للفخر والتيه لدى هؤلاء الصغار. ... الفناء واسع تشترك معهم في سكناه نخلات تؤكد عمق الارتباط بالقرية، وهو ميدان فسيح يلعب فيه هؤلاء الصبية بجلد دائري الشكل، تتقاذفه الأيدي أحيانًا، والأرجل أحيانًا أخرى، ويسمونه (الكرة) وهو يختلف عن النسخة المطورة التي عرفها الصبيان بعدُ ... وقد يشاركهم الجيران أو القرابة بعيدًا عن عين الأب اللطيف المهيب الذي يدري، ويتظاهر بأنه لا يدري، ولكنه يتساءل مبتسمًا عن سبب تكسر المصابيح الكهربائية، مرة بعد مرة! ... إنها حيرة الأب الحريص أمام قضية جديدة تطرأ على حياة الأسرة، دون أن يتخذ بشأنها قرارًا حاسمًا، للتردد بين ما يألفه ويرتاح إليه، وبين ما يحس بأنه قدر من متغيرات الحياة, وضريبة لا بد منها لاختيار المدينة، فهو بحاجة إلى فترة من الأناة والصمت، لتفهم الموقف وتحديد رؤية واضحة عما يتعين عليه فعله، وهذا الأمر تكرر حين شغب الأطفال بحضور إحدى المباريات الكبيرة، ولعلها كانت المرة الأولى والأخيرة. ... العلاقة مع الجيران تنمو بسرعة، والشارع يشهد صداقات جديدة, وعلاقات متدفقة, وفريقًا رياضيًا يتشكل، وينشأ معه صراع على (الرئاسة) حيث تبدو هذه إحدى اللوازم المصاحبة للحياة حتى في أصغر حلقاتها. ... هذه هي زعامات الأحياء، صغار عفاريت، يستولون على مشهد الشارع ويصنعون عنتريات، هي (أباضات) الشام، و (فتوات) مصر كما يحكيها أهل الحواري. ... والمرأة تظل هي الأكثر اندماجًا والأسرع في التعارف وبناء الروابط. ... لم تكن النقلة مقصورة على حركة الحارة فحسب، فها هو الأب ينظم وجوده المالي بافتتاح