فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 19

الضروري أن تفهم كل شيء، حتى تكون قادرًا على استخدام كل شيء! ... يمضي الإخوة الثلاثة إلى مدرسة القرية في تآلف ظاهر، وصباح القرية ليس كصباح المدن، فنسمات الهواء تحرك عسبان النخيل وأغصان الشجر، والطيور تبث ألحانها الجميلة، وخرير المياه في السواقي يجدد معنى الحياة. ... وعند باب المدرسة تلاشت الجرأة، وانكمشت الفرحة، وبدأت مرحلة القلق والتوتر والحذر. ... أمسك بيد أخيه الأكبر بحركة تلقائية يحتمي به في التجاء ظاهر، وامتصاص للأمان، وتعزيز للثقة بالنفس، الذي كلما ارتفع ارتفع معه الأداء. ... وأحس الأخ الأكبر بمسؤوليته وأخلص في القيام بها ... ..."افعل كل شيء بصورة لائقة ومنظمة"،"خلّك رجل!"... تلك العبارة كانت أقوى وأقصى مساندة لأخيه الصغير. ... تتردد الخطوات، وتتعثر الأرجل في الأرض الرملية المحاطة بالعديد من الحجرات الطينية الصغيرة المنتظمة التي تسمى المدرسة! ... إنه عالم جديد ... طالما كان يرقبه من الخارج دون أن يتمكن من الولوج إليه، وها هو الآن في طريقه إلى أحد تلك الفصول، وسط حشد غير مألوف من أبناء القرية .. ... لماذا أشعر بالخوف؟ وها قد حانت اللحظة الموعودة. ... كلا إنه ليس خوفًا، بل شعور آخر مختلف لا يملك التعبير عنه. ... حاول التواصل مع نفسه بإشارات غير ملموسة، وتذكر أن هذا المكان الذي يحتويه الآن طالما احتواه قلبه وخياله ... هنا البداية الثانية لتحصيل الزاد المعرفي والروحي. ... أحب المدرسة، وأحب معلميه، كما أحب (مطوّع) القرية التقي الطيب، وإمام مسجدها الجامع (عبد الله الناصر البرادي) الذي صبر على نزق الطفولة، وعلمه كما علم الأطفال الآخرين قصار السور في المسجد، وكان ينفث عليه، ويتمتم بآيات القرآن كلما ألمت بالطفل وعكة. ... وحين بكى الصبي من ألم شوكة انكسرت في رجله، ورفض الحضور لدى الشيخ للرقية، اكتفى الشيخ بالقراءة على كسرة من الملح، وأمر الأم أن تفرك بها الموضع حتى ينام، وحين استيقظ وجد الشوكة خارج الجلد! ... المطوع له ميزة المساكنة والاتصال العائلي والتأثير التعبدي والوزن الاجتماعي، بينما لأساتذة المدرسة ميزة الحداثة والغربة، والنظام التعليمي الذي كان رمز مسايرة الحياة، وكان هو الطريق إلى المدينة. ... لا يعكر صفاء علاقته بمحاضن التعليم سوى شوبٍ من قسوة صارت جزءًا من العملية، ضعفت فيها أساليب الإغراء والجذب والتشجيع، وتضخمت ذراع الضرب والتأديب والتأنيب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت