فهرس الكتاب
جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )) وهذا الأصل يتخلى عنه أقوام اليوم لاجتماعهم مع الآخرين على بعض الحسنات، بل إنهم لا يرونه في برامجهم الحزبية ويأنفون من ذكره إن اجتمعوا مع غيرهم، بل ربما- وهو كثير- لا يراعون في تربية أتباعهم ويجعلونه تاليًا لا أصليًا.
المسلم شخصية فريدة تجتمع في خصال الخير مع الآخرين لكن لها صبغة العبودية لله وذكر الدار الآخرة، وهي في كل ما تعمل من أعمال لها خصال ذكرها الله في كتابه في مواطن منها قوله (( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ) )وفي قوله تعالى:- والله بصير بالعباد الذي يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار )) . وقوله تعالى (( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين لفرجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا ) )وقوله (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) ). وغير ذلك من الآيات.
فهذه خصال الشخصية المسلمة، وبهذا تتميز، وإنه لمن سبل الجاهلية أن يجروا هذه الشخصية إلى منطقتهم بعيدًا عن هذا التميز، وذلك عن طريق تجريد فروع الدين الحسنة العظيمة عن أصولها وقطعها بعيدًا عنها حتى يكون الحال هو الحال.
هذه المعالم وهي صبغة ربانية فيها العيش مع الغيب وما بعد الموت لا تعني غيابًا عن الحياة، لكن كذلك الحضور مع الحياة وواقعها لا ينبغي أن يذهب بالمسلم بعيدًا عن هذا العالم الحقيقي العظيم، ولذلك فإن مسيرة الكثير من العالمين في المجالات الاصلاحية تحت شعار الاسلام لن يصل بهم إلى الوعود الالهية كما أرادها الله للأنبياء وأتباعهم كقوله تعالى (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ... ) )،وحين يصلون"إن وصلوا"تكون خصوصيتهم قد ضاعت خلال الطريق، فلم يكن وصولهم إلى على صور التقليد للآخرين في صناعة الانسان والدولة، وهذا واقع بعضهم اليوم، يراه المتابع وهم في وسط الطريق، بل إن بعضهم يُرى منهم ذلك وهم في بدايته.
خطاب احياء الأمة المسلمة في بعده الفكري والعلمي يجب أن يكون ربانيًا، فيه حقيقة الدين والصلاح والتقوى، وفيه ركت أصيل وهو تحقيق الانسان العابد الصالح الذي يراعي قيام الليل ودوام الذكر والحفاظ على صلاة الجماعة وصبغة الهدي الظاهر والاكثار من النوافل، فإنه إن خلا هذا الخطاب من ذلك، وفرغ