الصفحة 19 من 29

الالتقاء لا يحقق الالتباس بين الدينين والمبدئين، لأن ما يحققه منهج الأنبياء وما تحمله دعوتهم لا يكون له سمة اسم المنهج الاسلامي إلا بالنسك والاخبات والعبادة الخالصة لله تعالى، وهذا ليس على المعنى الذي ينتشر بين الناس اليوم -وهو معنى صحيح- وهو أن يقوم بأعمال الدنيا رجاء الدار الآخرة، لكن على معنى هذا الركن- وهو قيام اللبل ومعناه- لتحقق سعادة الانسان المسلم، ولتحقق دوام وأمن المدينة المسلمة يعني أن تلك الأعمال الأخرى التي يتشارك فيها الناس في التحسين والتقبيح كنصرة المظلوم واغاثة الملهوف لا تكون اسلامًا بغير هذا الشرط والمعنى، وهو أن يكون صاحبها قبل كل هذه الأعمال مسلمًا عاملًا لأعمال النسك والعبادات، فالاسلام ليس قسمة متناثرة يأخذ كل واحد منه ما يحب من اجزائه ويطغي عليه اسم الإسلام/ بل الإسلام له أصل وجذور، ولا يجوز أن تنسب أبعاضه له إلا وهي متصلة بهذه الجذور ملتحقة بها.

فالاسلام ليس نصرة للمظلوم ولا اغاثة للملهوف ولا حسن خلق ولا صدق حديث ولا أداء أمانة إن لم تكن هذه الخصال قد بنيت على قاعدتها من الايمان بالله والدار الآخرة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت.

لقد نازعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل الأعمال الحسنة التي تقوم بها، وأن قيامها بحقها كما تزعم يعطيها حق القرب من الله أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد الله عليهم كل هذه المزاعم وأبطلها عليهم شرعًا وقدرًا.

فقد زعموا أنهم بقيامهم في عمارة المسجد الحرام وخدمة أهله يعطيهم حق القرب والولاء، وهذه سمة من سمات الجاهلية فإنها حين تعجز عن رد الحق وابطاله تذهب تنازع أهله فيه، وذلك من خلال قيامهم ببعض أعماله التي يدعو إليها، وهكذا فعلت قريش، وهكذا يفعل وراثهم في كل زمن، فقال الله لهم:- أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله )) .

هذا مع علمه سبحانه وتعالى أنهم يعمرون المسجد الحرام من أجل فخرهم على الآخرين، فيحقق لهم العلو عليهم، كما أنه يحقق لهم منافعهم المادية، ولذلك قال قبلها (( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر، أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) ).

لقد جاء الأنبياء بأصل لا يجتمع مع دعوة غيرهم مهما كانت مقاربة هذا الغير للحق الذي بعث به هؤلاء الأنبياء، هذا الأصل هو عبادة الله تعالى واخلاص النسك والاخبات له، فلا خير في دين لا صلاة فيه، ولا حظ لأحد في الإسلام إن ترك أحد مبانيه وأركانه، وجاء بقاعدة الاحتساب، وهو أن تكون أعمال المرء كلها رجاء ارضاء الله والدخول في الجنة والفرار من النار، فإن خلت أعمال المرء من هذا الأمر لم يكن ممدوحًا في الاسلام، ولا يحق له أن يدعي النسبة إليه، ففي الصحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله! ابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت