فهرس الكتاب
هذه منقبة وخصلة وشعار الصالحين، وهي سمة مدنية المؤمنين التي ترث المدن، وعلا منها حين تستحق أن تأكل غيرها، وهي سمة لا تكون إلا لمدينة الإيمان، ولا يقوم لها إلا أتباع الأنبياء، ولا ينشط لها إلا من مايز بين صناعة الانسان على وجه الكفر بالآخرة وعدم اعتبارها في هذه الحياة وبين من علم أن صناعة الانسان ليكون ربانيًا هو الوراثة الحقيقية للأرض، ولقد تماهى أهل عصرنا من المفكرين المسلمين في فهمهم للحياة وسننها وشروط بقاء الأمم فيها على فهم الكافرين، فلم يعد هناك خصوصية لبناء الاسلام للحياة والانسان والدول والمجتمعات، فما الاسلام عند هؤلاء إلا ظل لمفاهيم الجاهلية في البناء والتحليل والتقويم، فهم يرطنون رطانتهم، ويشمخون بأنفوهم حين تتلوى ألسنتهم بكلماتهم وكلمات دهاقنتهم، ويخجلون بحياء نفاقي أن يشيروا لمفهوم العبودية في قوامة هذه الحياة وبقائها وسهولة سبلها، فلو تحدث أحدهم عن عامل الشرك بالله وأنه سبب خراب العالم ودمار الأمم والمجتمعات لكان أضحوكة لمفكري المسلمين قبل غيرهم، ولو تحدث آخر عن جريمة ترك الصلاة وأنها سبب لذلك كذلك لاتهم بالجهل، ولرمي في سلة القصاص والوعاظ الذين لا يحق لهم دخول عالم الفكر والتنظير.
أما لو قيل في الوسط الإسلامي من عوالم الأحزاب الاسلامية السياسية والفكرية عن أثر قيام الليل في التوفيق والهداية والتسديد وتقريب النصر وتحقيق الظفر، وأن وجوده في العالمين عامل مهم في انجاح خطة هذه الجماعة للوصول إلى أهدافها فوالله الذي لا إله إلا هو لرأيت قوله تعالى (( يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ) )رأي العين من القادة فيهم.
(( قيام الليل ) )هذا مجاله الوعظ والقص، أما أن يكون جزءًا مهمًا في بناء الانسان، وشطرًا ضروريًا في تحقق المجتمع الآمن السليم السوي، وركنًا يبذل له العاملون جهدهم فهذا لا يعرف في زمان تحول الاسلام إلى منطقة الظل، اذ تنعكس عليه حقائقه الجاهلية فيتلاشى في داخلها.
راقب كل تلك الجموع والأحزاب والشخصيات التي تدعو إلى اعادة الحياة الاسلامية كما هو شعارهم وتأمل مشاريعهم وما يدعون إليه فهل ترى لهذا الندء النبوي العظيم أثرًا في خطبهم ودروسهم ومواقفهم.
(( وصلوا بالليل والناس نيام ) )
مع هذا النداء تكون خصوصية البناء الاسلامي، ومع هذا الشطر يكون الافتراق بين ميراث الأنبياء ومناهجهم وبين دعوات الجاهلية وتصوراتها، ومن غير شرط التمايز هذا بين الفريقين فإن تحقق النصر وهم خادع لا يكون أبدًا، فإن وقع الوصول لبعضهم فلن يكون إلا واحدًا من جموع الجاهلية التي لا تحقق رضى الله ولا تهدي الناس إلى أعظم خير لهم ألا وهو دخول الجنان.
مع افشاء السلام واطعام الطعام يمكن أن يدرك الباحث الارتباط السنني بينها وبين عالم الأرض وقوانينها، وأما مع هذا الركن فإن صبغة النبوة تلقي بحقائقها أن هذه الوصفة وصفة خاصة، وأن صاحبها وحاملها جاء ليحثث عالمًا آخر، قد يلتقي مع مذاهب انسانية تدعو لخير الانسان في الدنيا من العدل والحق، ولكن هذا