شُبُهَاتٌ تَتَعَلَّقُ بالقِسْمِ الأوَّلِ ( الحُكمُ بِغَيرِ مَا أنزَلَ اللهُ )
الشُّبهَةُ الرَّابِعَةُ: دُخُولِ يُوسُف فِي دِينِ المَلِكِ
وَهَذِهِ الشُّبهَةُ هِيَ شُبهَةٌ باطلة من أكثر مِن وَجهٍ إذ أنَّ القرآنَ قَدَّ قَصَّ علينَا قولَ يوسُفَ عَليِهِ السَّلام حين كانَ مُستَضعفًا في الأرضِ ( سَجِينًَا ) ?إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ? وقوله ? يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ? فكيفَ بَعدَ أن مَكَّنَهُ اللهُ في الأرضِ أيرجعُ عَن ذلكَ إلي ملةِ آبائِهِ حاشاه صلى الله عليه وسلم وإن من زعم ذلك فقد افترى على مَن زكَّاهُ اللهُ فزَكَّى هُوَ نَفسهُ حيثُ قََالَ ?اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ? .
فإنَّ يُوسُفَ عَليهِ السَّلام مَا تولَّى هذا المنصبَ إلا بأمرِ اللهِ وقدره فكيفَ يُتَصَوَّر أن يَخضَع نَبِيُّ اللهِ يُوسُف لدينِ المَلكِ وقد مَكَّنَهُ اللهُ في الأرضِ قَالَ تعالي ?وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأْرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ? , وقَالَ تعالى في ما يجب علي الذين مكنهم الله في الأرض ?الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ?.
إنَّ الله قَد عَصَم نَبِيَّ اللهِ يُوسُفَ كَغَيرِهِ مِنَ الرُّسِلِ ?وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأْحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ?، وقَالَ تعالى: ?وَلمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجزِي المحْسِنِينَ?.
إنَّ مَن يَدخُلُ فِي حُكُومَاتِ هَذا العَصرِ لا بُدَّ وَأن يَحتِرِمَ دساتيِِِرَهُم وقوانِينَهم وشرائعَهم المُضَاهيَةِ لشرعِ اللهِ فكيف يُمكِنُ أن نُلصِقَ هذا بِنَبي اللهِ يوسُفَ, واللهُ سبحانه وتعالى نَزَّهَهُ عَن مَا هُو أدنَى مِن ذلك قَالَ تعالى ?كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْصالحِينَ?، فهل هؤلاء القوم مُبرَّئِينَ كيوسُفَ , لا والله فقد اقسموا علي احترام الدستور وتطبيقه على الناس وتحكيم القانون الوضعي بين الناس .
ثُمَّ مَن يَدُلنَُّا عَلى ما يُوضِّح أنِّ يوسُفَ عَليِهِ السَّلام شاركَ في تشريعٍ يضاهي شرعَ اللهِ أو طبَّقَ مَرسُومًا يُخَالف أمرَه إنَّ هذا لشيء عُجَاب أن يَفتَرِي هؤلاءِ القُومُ مثلَ هذا البهتان علي نبي اللهِ يُوسُف.
وَمِمَّا يُقلع هذهِ الشبهةَ مِن جذورِهَا مَا رُوِيَ أنَّ هَذا الملكَ قد أسلَمَ وَهُوَ قَولٌ مَرويٌ عَن مجاهد. وَعلى فرض أنه لَم يُسلمِ فإنَّ يوسُفَ عليِهِ السَّلام كمَا لَم يَقَع فِي كُفرِ ولا تَولِّيٍ للكفارِ ولا أشرَكَ باللهِ حاشاهُ.