فهرس الكتاب
و ذهب بعض المحققين المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب ، وأتى على ذلك بقول تمجه الأسماع ، وتنفر منه القلوب . والصحيح ما قدمناه ، و العلم بهذا كله ضرورة قطعًا .
ومن تفنن في علوم البلاغة ، وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه .
-وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه ، فأكثرهم يقول: إنه ما جمع في قوة جزالته ، ونصاعة ألفاظه ، وحسن نظمه ، وإيجازه ، وبديع تأليفه وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر ، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن إقدار الخلق عليها ، كإحياء الموتى ، وقلب العصا ، وتسبيح الحصى . ...
وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أن مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ، ويقدرهم الله عليه ، ولكنه لم يكن هذا ولا يكون ، فمنعَهم اللهُ هذا ، و عجَّزهم عنه .
-وقال به جماعة من أصحابه .
-وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت ، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر ، وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع ، وهو أبلغ في التعجيز ، وأحرى بالتقريع ، والإحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم ، وهو أبهر آية ، وأقمع دلالة .
وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال ، بل صبروا على الجلاء ، والقتل ، وتجرعوا كاسات الصَّغار والذل ، وكانوا من شموخ الآنف ، وإباية الضيم ، بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارًا ، ولا يرضونه إلا اضطرارًا ، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم ، الشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم ، وهم ممن لهم قدرة على الكلام ، وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام ، وما منهم إلا من جهد جهده ، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره ، وإطفاء نوره ، فما جلوا في ذلك خبيئةً من بنات شفاههم ، ولا أتوا بنطفة من معين مياههم ، مع طول الأمد ، و كثرة العدد ، و تظاهر الوالد وما ولد ، بل أبلسوا فما نبسوا ، ومنعوا فانقطعوا ، فهذان نوعان من إعجازه .
الفصل الخامس