فهرس الكتاب
-وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها ، فلم يبق إلا خبرها ، والقرآن العزيز ، الباهرة آياته ، الظاهرة معجزاته على ما كان عليه اليوم ـ مدة خمسمائة عام و خمس و ثلاثين سنةً لأول نزوله إلى وقتنا هذا ـ حجته قاهرة ، ومعارضته ممتنعة ، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان ، وحملة علم اللسان ، وأئمة البلاغة ، وفرسان الكلام ، وجهابذة البراعة ، والملحد فيهم كثير ، والمعادي للشرع عتيد ،فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته ، ولا ألف كلمتين في مناقضته ، ولا قدر فيه على مطعن صحيح ، ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح ، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه والنكوص على عقبيه .
الفصل العاشر
في وجوه أخرى للإعجاز
-وقد عدَّ جماعةٌ من الأثمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوهًا كثيرةً ، منها أن قارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجه ، بل الإكباب على تلاوته يزيد حلاوةً ، وترديده يوجب له محبةً ، لا يزال غضًا طريًا ، وغيره من الكلام ـ و لو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه ـ يمل مع الترديد ، ويعادى إذا أعيد ، وكتابنا يستلذ به في الخلوات ، ويونس بتلاوته في الأزمات ، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك ، حتى أحدث أصحابها لحونًا وطرقًا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراء تها .
ولهذا وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عبره ، ولا تفنى عجائبه ، هو الفصل ليس بالهزل ، لا يشبع منه العلماء ، ولا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا: ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا* ) الجن 1 ، 2 ) .
قلت: الحديث رواه الترمذي ؛ولفظه: