فكانت مدة اقامته بها ثلاث وثلاثون سنة، وذكر رحمه الله في معجم مشايخه قال: كنت بحمد الله ممن وقفت برهة من الزمان في أوائل العمر باشارة مشايخ أرباب الأحوال وأعيان الأعيان لسماع الحديث من المسندين، وقراءة ما تيسر من كتب هذا الفن على المفسرين، وطلب الإجازة بأنواعها المقررة في هذا العلم الواسعة ارجاؤه الشاسعة انحاؤه مع الناس، والملازمة في تحصيل العلوم الآلية والعلوم العقلية والقوانين الشرعية ، لا سيما علم الفقه وأصله تفريعًا وتأصيلًا إلى أن فتح الكريم من تلك الأبواب ما فتح ، ووهب ما وهب ومنح ، وتفضل بما لم يكن في الحساب ، ومراعاة نتيجة الاكتساب حتى اجازني أكابر اساتذتي باقراء تلك العلوم وافادتها، وبالتصدي لتحرير المشكلة منها بالتقرير والكتابة واشارتها ، ثم بالإفتاء والتدريس على مذهب الإمام المطلبي الشافعي ابن ادريس ، رضي الله عنه وارضاه ، وجعل جنات المعارف منقلبه ومثواه، ثم بالتصنيف والتأليف وكتبت من المتون والشروح ما يغنى رؤيته عن الاطناب في مدحه والاعلام بشرحه ، كل ذلك وسني دون العشرين ، بحلول نظر جماعة عليَّ من العارفين ، اولي التصرف والشهود والتمكين وأرباب الامداد الوافر وكنوز الاسعاف والاسعاد الباهر، ثم جردت صارف عزمي وارهفت حد فهمي في خدمة السنة المطهرة باقراء علومها وافادة رسومها المستكتمة، لاسيما بعد الاتيان إلى حرم الله تعالى واستيطان بلده ، والتفرع لاسماع المقيمين والواردين حيازة لنشر العلم والفوز بعلاه ومدده صادعًا فوق رؤس الاشهاد ؛ ليعلم الحاضر والباد أن من يبيع نفسه لمولاها يقطعها عن سائر الأغراض إلى حيازة العلوم وأولاها التى آل التغفل عنها إلى اندراسها ، والتشاغل بالحظوظ الفانية إلى تزلزل قواعدها وأساسها مناديًا في كل مجمع وناد وسمر ، وعداد عباد الله هلموا إلى شرف الدنيا والآخرة ؛ فإنه لا طريف أقرب في الوصول إلى الله من العلوم الشرعية المنزهة من أن يشوبها أدنى شوب