الصفحة 146 من 346

فلما كان التصديق لابد منه في كلتا الشهادتين ـ و هو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ـ ظن من ظن أن أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن أصل الآخر لابد منه و هو الانقياد و إلا فقد يصدق الرسول ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر إذ غايته تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه و تعالى كإبليس و هذا مما بين لك أن الاستهزاء بالله أو برسوله ينافي الانقياد له لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره، فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذب له أو ممتنع عن الانقياد لربه و كلاهما كفر صريح) [1]

وقال الإمام ابن القيم الجوزية -رحمه الله- (فكل إسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه إلى حقيقة الإيمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيء من الإيمان الباطن وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت فلو تمزق القلب بالمحبة والخوف ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع لم ينجه ذلك من النار [2] كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقة الإيمان لم ينجه من النار) [3] .

وقال أيضًا-رحمه الله-: (قاعدة: الإيمان له ظاهر وباطن وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته فلا ينفع ظاهر لا باطن له وان حقن به الدماء وعصم به المال والذرية ولا يجزئ باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل علي فساد الباطن وخلوه من الإيمان ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته) [4] .

وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: (لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل

(1) الصارم المسلول (1/ 519) .

(2) هذا ممتنع! إذ يستحيل أن يكون عند العبد عمل قلبي بدون عمل ظاهر، فهذا غير متصور، ولكن ابن القيم -رحمه الله- كأنه يعيش في أيامنا هذا فيرد على أولئك الذين يزعمون أن العمل القلبي يكفي في تحقيق أصل الإيمان-كما مر من كلام عدنان عبدالقادر-، فيسد عليهم الباب من كل جانب.

(3) الفوائد (ص 142) .

(4) الفوائد (ص162) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت