الصفحة 79 من 173

قال الإمام أبن كثير: (( يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن , وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسًا شديدًا وحفت من سائر أرجائها , وطُردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن , فيلقوه على ألسنة الكهنة فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق , وهذا من لطف الله تعالى بخلقه , ورحمته بعباده , وحفظه لكتابه العزيز , ولهذا قال الجن (( وأنا كنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا ) ).

أي من يروم أن يسترق السمع يجد له شهابًا مرصدًا له لا يتخطاه ولا يتعداه بل يمحقه اليوم ويهلكه )) (1) .

وقال القرطبي: (( قوله تعالى: (( وأنا لمسنا السماء ) )هذا من قول الجن ؛ أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا (( فوجدناها ) )قد (( ملئت حرسًا شديدًا ) )أي حفظة، يعني الملائكة .

والحرس: جمع حارس (( وشهبًا ) )جمع شهاب ، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراق السمع ، وقد مضى القول فيه في سورة"الحجر""والصافات".

و (( وجد ) )يجوز أن يقدر متعديًا إلى مفعولين ، فالأول الهاء والألف ، و ( ملئت ) في موضع المفعول الثاني ، ويجوز أن يتعدى إلى مفعول واحد ويكون"ملئت"في موضع الحال على إضمار قد . و (( حرسًا ) )نصب على المفعول الثاني"بملئت". و"شديدًا"من نعت الحرس ، أي ملئت ملائكة شدادًا ، ووجد الشديد على لفظ الحرس وهو كما يقال: السلف الصالح بمعنى الصالحين ، وجمع السلف أسلاف وجمع الحرس أحراس ؛ قال:

تجاوزت أحراسًا وأهوال معشر .

ويجوز أن يكون (( حرسًا ) )مصدرًا على معنى حرست حراسة شديدة .

(1) 97 ) تفسير أبن كثير: 4 / 552 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت