فهرس الكتاب
وقال ابن عطية في تفسيره: ( الذي استقر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين ) تفسير القرطبي 3 / 38 .
3)أن الجهاد نوعان: جهاد الفتح وهو طلب العدو في أرضه فهذا النوع لا يشترط لصحته وجود الإمام بل إذا كان الإمام قائما بالجهاد فإنه لا يسوغ الافتئات عليه والتقدم إليه إلا عن إذن الإمام ورأيه إذ الأمر موكول إليه فاستئذانه واجب لا شرط صحة فيأثم من جاهد دون إذنه ، وجهاده صحيح ، فإن لم يكن هناك إمام أو فقد أو قتل فإن هذا الجهاد لا يتعطل ، قال ابن قدامة في المغني 10 / 375: ( فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب أحكام الشرع ) . فلو كان وجوده شرطا لصحة الجهاد لوجب تعطيل الجهاد وتأخيره حتى يوجد الإمام ، ولما ساغ المضي فيه بدعوى المصلحة ، ولما حلت الغنيمة .
وكذا إذا كان الإمام موجودا إلا أنه تعذر على أهل الجهاد استئذانه فإن لهم أن يمضوا دون إذن الإمام مراعاة للحاجة ، قال ابن قدامة في المغني 10 / 390: ( لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول إليه إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم فلا يجب استئذانه لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم ) انتهى . فلو كان وجود الإمام وإذنه شرطا لصحة جهاد الطلب لما صح الجهاد في حال عدم وجوده ، ولما صح مع وجوده دون إذنه عند الحاجة ، إذ الشرط ما يلزم من عدمه العدم ، وهنا لم يبطل الفقهاء جهاد الطلب في هاتين الحالتين، فدل ذلك على أن وجوده ليس شرطا لصحة هذا النوع من الجهاد ، بل المراعى في الحالتين تحقق المصلحة ودفع المفسدة كما علل بذلك ابن قدامة.