فهرس الكتاب
كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله:"المصالح المجتلبة شرعا ، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى ، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ، أو درء مفاسدها العادية ، والدليل على ذلك أمور:"
أحدها: ما سيأتي ذكره ـ إن شاء الله ـ أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم ، حتى يكونوا عبادا لله ، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس ، طلب منافعها العاجلة كيف كانت ، وقد قال ربنا سبحانه"ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن".
الثاني: ما تقدم معناه من أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة ، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع ، كما نقول إن النفوس محترمة محفوظة الإحياء ، بحيث إذا دار الأمر بين أحياءها وإتلاف المال عليها ، أو إتلافها وإحياء المال ، كان إحياؤها أولى ، فإن عارض إحياؤها إماتة الدين ، كان إحياء الدين أولى ، وإن أدى إلى إماتتها ، كما جاء في جهاد الكفار ، وقتل المرتد ، وغير ذلك ، وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلا ، كان إحياء النفوس الكثيرة أولى"الموافقات 2/39"
والعجب أن هؤلاء المفتونين ، عكسوا ما أراده الله منهم ، فقد أمرهم بالتزام شريعته ، وتكفّل لهم برزقهم وقدّر آجالهم ، فكان همّهم أرزاقهم ، وآجالهم ، التي تكفل الله بها ، فلا تزيد ولا تنقص ، وأهملوا دينهم الذي أمرهم الله تعالى بحفظه ، وظنوا أن رضاهم بعلوّ الكافر عليهم ، وتحالفهم معه ، سيكون سببا في انبساط الدنيا لهم ، وحلول الأمن عليهم .
ونسوا أن الله تعالى يملي للكافر الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، وأن الله تعالى مهلك هذه الدولة الكافرة الطاغية أمريكا ، كما أهلك الذين من قبلهم ، ولهذا حذّر من اتخاذ الكافرين أولياء ،